مبدع البدائع وشارع الشرائع دينا رضيا ونورا مضيا وذكرا للأنام ومطية إلى دار السلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مثل العقود وما شرع عليها مثل الواجبات والخالق ههنا بمعنى الإيجاد والنسمة الإنسان كذا في الصحاح والنسم جمع نسمة وفي المغرب النسمة النفس من نسم الريح ثم سميت بها النفس ومنها أعتق النسمة والله بارئ النسم ولما كان الإنسان محتاجا إلى العطاء في حالة البقاء أعقبه بقوله "رازق القسم" أي معطي العطايا, والرزق العطاء, وهو مصدر قولك رزقه الله.
والقسم جمع قسمة بمعنى القسم, وهو الحظ والنصيب من الخير.
وفي ذكر الرزق دون الإعطاء لطف, وهو أن الرزق ما يفرض للفقراء بخلاف العطاء, فإنه اسم لما يفرض للعمال مثل المقاتلة والإنسان في أول أمره فقير محتاج لا قوة له على كسب وعمل فكان ذكر الرزق أشد مناسبة من ذكر العطاء مع أن فيه رعاية صنعة الترصيع.
قوله: "مبدع البدائع وشارع الشرائع" الإبداع الاختراع لا على مثال والبدائع جمع بديع بمعنى مبتدع أي مخترع الموجودات بلا مادة ومثال بقدرته الكاملة وحكمته الشاملة.
وفي ذكر هذه القضية بدون الواو بدلا من قوله "خالق النسم" إشارة إلى أن خلق مثل هذا الموجود الذي فيه أنموذج من جميع ما في هذا العالم حتى قيل هو العالم الأصغر من عجائب قدرته وغرائب حكمته ثم هذا الجنس لما خلقوا على همم شتى وطبائع مختلفة وأهواء متباينة لا يكادون يجتمعون على شيء ويبعث لكل واحد همته إلى ما يستلذ طبعه وفيه من الفساد ما لا يخفى; لأن ذلك يؤدي في العاجل إلى التقاتل والتفاني وفي الآجل إلى استحقاق العذاب الأليم, شرع الشرائع زاجرا لهم عن ذلك وجامعا لهم على طريق واحد مستقيم فكان من أجل النعم.
والشرع الإظهار وشرع لهم كذا أي بين والشرائع جمع شريعة, وهي ما شرع الله تعالى لعباده من الدين ثم ضمن الشارع معنى الجعل والتصيير فانتصب دينا على أنه مفعول ثان أي جاعل الشرائع دينا رضيا أو انتصب على الحال من الشرائع مع أنه ليس بصفة لوجود معنى الصفة فيه باعتبار وصفه كما انتصب قرآنا على الحال في قوله عز اسمه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [فصلت: 3] مع أنه ليس بصفة لكونه موصوفا بوصف أي فصلت آياته في حال كونه موصوفا بالعربية. وهو مثل قولك جاءني زيد رجلا صالحا.