First Previous Next Last

ولزوم طريق السنة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه الصالحون وهو الذي كان عليه أدركنا مشايخنا, وكان على ذلك سلفنا أعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وعامة أصحابهم رحمهم الله وقد صنف أبو حنيفة رضي الله عنه في ذلك كتاب الفقه الأكبر وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله وأن ذلك كله بمشيئته وأثبت الاستطاعة مع الفعل,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشيئة الله تعالى وإرادته, "ولزوم طريق السنة" أي عقيدة الرسول "والجماعة" أي عقيدة الصحابة, "أدركنا مشايخنا" أي أستاذينا والسلف جمع سالف من سلف يسلف سلفا إذا مضى وعامة أصحابهم أي أكثرهم. وإنما قيد به; لأن بعضهم كان موسوما بالبدعة مثل بشر بن غياث المريسي1.
واعلم أن غرض الشيخ من تقرير هذه الكلمات في أول هذا الكتاب إبطال دعوى من زعم من المعتزلة أن أبا حنيفة رحمه الله كان على معتقدهم استدلالا بما نقل عنه أنه قال كل مجتهد مصيب ودفع طعن من طعن فيه من الشافعية وغيرهم من أصحاب الظواهر أنه كان من أصحاب الرأي وأنه كان يقدم الرأي على السنة فبدأ أولا بإبطال دعوى المعتزلة فقال "وقد صنف أبو حنيفة في ذلك" أي في علم التوحيد والصفات "كتاب الفقه الأكبر" سماه أكبر; لأن شرف العلم وعظمته بحسب شرف المعلوم ولا معلوم أكبر من ذات الله تعالى وصفاته فلذلك سماه أكبر وذكر فيه إثبات الصفات فقال لم يزل ولا يزال بصفاته وأسمائه لم يحدث له صفة ولا اسم لم يزل عالما بعلمه والعلم صفته في الأزل وقادرا بقدرته والقدرة صفته في الأزل وخالقا بتخليقه والتخليق صفته في الأزل وفاعلا بفعله وفعله صفته في الأزل فالفاعل هو الله سبحانه وفعله صفته في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق وصفاته أزلية غير مخلوقة ولا محدثة فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة أو وقف فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى "وإثبات تقدير الخير والشر من الله عز وجل" أي ذكر ذلك فيه أيضا فقال يجب أن يقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره من الله تعالى, "وإن ذلك كله بمشيئته" أي ذكر ذلك أيضا فقال جميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله تعالى خالقها. وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره والطاعات كلها بمحبته ورضائه والمعاصي كلها بتقديره وعلمه وقضائه ومشيئته لا بمحبته ورضاه وأما مسألتا الاستطاعة والأصلح فما وجدتهما في النسخ التي كانت عندي من الفقه الأكبر وليس في كلام الشيخ أيضا ما يوجب أنه قد ذكرهما فيه,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي مات سنة ببغداد سنة 218 هـ.