First Previous Next Last

................................................................................................
وذكر فيه أيضا قال المتعلم أخبرني عن الاستغفار لصاحب الكبيرة أهو أفضل أم الدعاء عليه باللعنة؟
قال العالم رحمه الله الذنب على منزلتين غير الإشراك بالله فأي الذنبين ركب هذا العبد, فإن الدعاء له بالاستغفار أفضل; لأنه مؤمن من أهل الشهادة, والدعاء لأهل هذه الشهادة بالمغفرة أفضل لحرمة هذه الشهادة إذا ليس شيء يطاع الله تعالى به أفضل من الإقرار بهذه الشهادة وجميع ما أمر الله تعالى من فرائضه في جنب هذه الشهادة أصغر من بيضة في جنب السموات والأرضين وما بينهن فكما أن ذنب الإشراك أعظم كذلك أجر هذه الشهادة أعظم "وكان في علم الأصول إماما صادقا" أي إماما على التحقيق والشيء إذا بولغ في وصفه يوصف بالصدق يقال للرجل الشجاع وللفرس الجواد إنه لذو صدق أي صادق الحملة وصادق الجري كأنه ذو صدق فيما يعدك من ذلك قال صاحب الكشاف: في قوله تعالى: {قَدَمَ صِدْقٍ}, وفي إضافته إلى صدق دلالة على زيادة فضل, وإنه من السوابق العظيمة.
ومما يدل على تبحره فيه ما روى يحيى بن شيبان عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال كنت رجلا أعطيت جدلا في الكلام فمضى دهر فيه أتردد وبه أخاصم وعنه أناضل. وكان أكثر أصحاب الخصومات بالبصرة فدخلتها نيفا وعشرين مرة أقيم سنة وأقل وأكثر وكنت قد نازعت طبقات الخوارج من الإباضية1 وغيرهم وطبقات المعتزلة وسائر طبقات أهل الأهواء وكنت بحمد الله أغلبهم وأقهرهم ولم يكن في طبقات أهل الأهواء أحد جدلا من المعتزلة; لأن ظاهر كلامهم مموه يقبله القلوب وكنت أزيل تمويههم بمبدأ الكلام وأما الروافض وأهل الإرجاء الذين يخالفون الحق فكانوا بالكوفة أكثر وكنت قهرتهم بحمد الله أيضا وكنت أعد الكلام أفضل العلوم وأرفعها فراجعت نفسي بعدما مضى لي فيه عمر وتدبرت فقلت إن المتقدمين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم والتابعين وأتباعهم لم يكن يفوتهم شيء مما ندركه نحن وكانوا عليه أقدر وبه أعرف وأعلم بحقائق الأمور ثم لم يتهايئوا فيه متنازعين ولا مجادلين ولم يخوضوا فيه بل أمسكوا عن ذلك ونهوا أشد النهي ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه وكلامهم فيه, عليه تجالسوا وإليه دعوا وكانوا يطلقون الكلام والمنازعة فيه ويتناظرون عليه وعلى ذلك مضى الصدر الأول من السابقين وتبعهم التابعون فلما ظهر لنا


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو أتباع عبد الله بن إباض ظهر في زمن مروان بن محمد آخر خلفاء أمية.