الأصول بفروعها والقسم الثالث هو العمل به حتى لا يصير نفس العلم مقصودا فإذا تمت هذه الأوجه كان فقيها وقد دل على هذا المعنى أن الله تعالى سمى علم الشريعة حكمة فقال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269] وقد فسر ابن عباس رضي الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بهذا النوع مع فروعها مثال ما ذكرنا أن يعرف أن قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] كناية عن الحدث, فهذا معرفة معناه اللغوي ويعرف أن المعنى الشرعي المؤثر في الحكم خروج النجاسة عن بدن الإنسان الحي فإذا أتقن المعرفة بهذا الطريق عرف الحكم في غير السبيلين ومثال ضبط الأصل بفرعه أن يعرف أن الشك لا يعارض اليقين فإذا شك في طهارته وقد تيقن بالحدث وجب عليه الوضوء وبالعكس لا يجب.
والقسم الثالث هو العمل به; لأنه هو المقصود من العلم لا نفسه إذ الابتلاء يحصل به لا بالعلم نفسه ولا يقال إن الشيخ قسم نفس العلم أولا ثم أدخل العمل في قسمة العلم وهو مخالف لحد العلم وحقيقته; لأنا نقول إنما أدخل العمل في التقسيم بالتقييد الذي ذكرناه, وهو أن المراد هو العلم المنجي والنجاة ليست إلا في انضمام العمل إليه إلا أن العمل في النوع الأول بالقلب, وهو الاعتقاد وفي هذا النوع بالجوارح مع أنا لا نسلم أن دخول العمل في التقسيم يضر به لأنك إذا فسرت الحيوان مثلا بأنه حساس متحرك بالإرادة وقسمته بأنه أنواع إنسان وفرس وكذا وكذا ثم فسرت الإنسان بأنه حيوان ناطق فدخول النطق في التقسيم لا يضر به, وإن كان مغايرا للحيوانية حقيقة لوجود الحيوانية بكمالها مع زيادة قيد فكذا الشيخ قسم العلم بالنوعين ثم فسر أحد النوعين وهو الفقه بأنه العلم المنضم إليه العمل فكان صحيحا مستقيما ثم استدل على ما ادعى فقال, وقد دل على هذا المعنى أي على أن الفقه هو الوجوه الثلاثة أنه تعالى سماه حكمة والحكمة لغة اسم للعلم المتقن والعمل به ألا ترى أن ضده السفه, وهو العمل على خلاف موجب العقل وضد العلم الجهل وذكر في بعض النسخ الحكيم هو الذي يمنع نفسه عن هواها وعن القبائح مأخوذ من حكمة الفرس, وهي التي تمنعه عن الحدة والجموحة وذكر في الكشاف والحكيم عند الله تعالى هو العالم العامل وفي عين المعاني كنهها ما يرد العقل من الخوض في معاني الربوبية إلى المحافظة على مباني العبودية فلأن يعود العقل معترفا بقصوره أحمد له من أن يتهم بإربه في أموره والتنكير في قوله تعالى: {خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 4] تنكير تعظيم كأنه قال فقد أوتي أي خير