إليه بقوله: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] وصفهم بالإنذار وهو الدعوة إلى العلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آية وحديث, ومعلوم أن تلك الفضائل منتفية عنه عند تجرده عن العمل بدليل النصوص المطلقة الواردة في حق العلماء السوء مثل قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176] وقوله عز اسمه: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} [الجمعة: 5] وقوله جل ذكره: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] وقوله عليه السلام: "ويل للجاهل مرة وللعالم سبعين مرة" وما روي أنه عليه السلام سئل عن شرار الخلق فقال "اللهم غفرا حتى كرر عليه" فقال هم العلماء السوء إلى غير ذلك من الأحاديث فثبت أن مطلقه واقع على العلم والعمل جميعا توضيحه أن قوله عليه السلام: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"1 ورد فيمن يجمع بين العلم والعمل كما أشار الشيخ إليه فأما من أقبل على العلم وترك العمل به فهو سخرة الشيطان وضحكته فكيف يكون مثله أشد عليه من ألف عابد وذكر الإمام الغزالي2 رحمه الله في بيان تبديل أسامي العلوم أن الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوى والوقوف على دقائقها وعللها واسم الفقه في العصر الأول كان منطلقا على علم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا قال الله تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] والإنذار بهذا النوع من العلم دون تفاريع السلم والإجارة وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله" وروي أيضا موقوفا عن أبي الدرداء رضي الله عنه ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا وسأل فرقد السنجي الحسن عن شيء فأجابه فقال إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن ثكلتك أمك فريقد وهل رأيت فقيها بعينك إنما الفقيه هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بذنبه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين فكان اسم الفقه متناولا لهذه العلوم وللفتاوى أيضا فخص بالفتاوى لا غير فتجرد الناس به لأغراض الجاه والاستتباع استرواحا بما جاء في فضيلة الفقه.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] اللام لتأكيد النفي ومعناه أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح ولا ممكن وفيه أنه لو صح وأمكن ولم يؤد إلى مفسدة لوجب لوجوب التفقه على الكافة; ولأن طلب العلم فريضة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الترمذي في العمل 5/48 وابن ماجة في المقدمة 1/81.
2 هو أبو حامد الغزالي محمد بن محمد حجة الإسلام الفقيه المتكلم الفيلسوف الصوفي الأصولي 450 – 505 هـ.