First Previous Next Last

................................................................................................
على كل مسلم ومسلمة {فَلَوْلا نَفَرَ} [التوبة: 122] أي فحين لم يمكن نفير الكافة ولم يكن فيه مصلحة فهلا نفر {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة يكفونهم النفير {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122] ليتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة وتؤمونه من المقاصد الركيكة من التصدر والترؤس والتبسط في البلاد والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم ومنافسة بعضهم بعضا وفشو داء الضرائر بينهم وانقلاب حمالق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر أو شرذمة جثوا بين يديه وتهالكه على أن يكون موطئ العقب دون الناس كلهم فما أبعد هؤلاء من قوله عز وجل: {لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً} [القصص: 83] {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] إرادة أن يحذروا الله فيعملوا عملا صالحا ووجه آخر, وهو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا بعث بعثا بعد غزوة تبوك وبعدما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعا عن استماع الوحي والتفقه في الدين فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجدال بالحجة أعظم أثرا من الجهاد بالسيف وقوله {لِيَتَفَقَّهُوا} الضمير فيه للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم وعلى الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه كذا في الكشاف ولا يقال هذه الآية على الوجه الثاني معارضة بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} [التوبة: 41] لأنا نقول هذه الآية ناسخة للآيات التي توجب نفر الكل. وهو قول الحسن وأبي بكر الأصم أو هي نازلة حال كثرة المؤمنين وتلك في حال قلتهم أو هي محمولة على غير حالة هجوم العدو وتلك على حالة الهجوم إليه أشير في شرح التأويلات والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل لأن المنذر إذا لم يعمل بما ينذر به لا يلتفت إليه ولا إلى كلامه أصلا كمن أشار إلى طعام لذيذ وقال لا تأكلوه, فإنه مسموم ثم أخذ في أكله لا يلتفت إلى كلامه أصلا فثبت أنه لا بد للإنذار من العمل به وقد وصف الله تعالى الفقهاء بالإنذار بقوله: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} فلا بد من أن يكونوا عالمين بما أنذروا به فثبت أن الفقيه هو العالم العامل والفقه هو العلم والعمل ألا ترى أنه تعالى ذم أقواما على الإنذار بدون العمل بقوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة:+