وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة وملازمة القدوة وهم أصحاب الحديث والمعاني أما المعاني فقد سلم لهم العلماء حتى سموهم أصحاب الرأي والرأي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل هو الذي يرب الناس بعلمه وعمله بعمله, وهو منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للتعظيم كاللحياني والنوراني وقد جاء ربى بفتح الراء وكسرها وضمها والقياس هو الفتح والباقي من تغيرات النسب, والقدوة من الاقتداء كالأسوة من الايتساء لفظا ومعنى ويقال فلان قدوة أي يقتدى به يعني أنهم كانوا يلازمون طريق الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في أخذ الأحكام من الكتاب ثم من السنة ثم من الإجماع ثم القياس ويسلكون نهجهم ولا يخترعون من عند أنفسهم ما يخالف طريقتهم في استخراج الأحكام واستنباطها. قوله:
"وهم أصحاب الحديث والمعاني" ولما طعن الخصوم في أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله أنهم كانوا أصحاب الرأي دون الحديث يعنون به أنهم وضعوا الأحكام باقتضاء آرائهم فإن وافق الحديث رأيهم قبلوه وإلا قدموا رأيهم على الحديث ولم يلتفتوا إليه رد عليهم طعنهم بقوله وهم أصحاب الحديث. وقد حكي أن الشيخ المصنف رحمه الله ناظر إمام الحرمين1 في ألوان تحصيله ببخارى بإشارة أخيه شيخ الأنام صدر الإسلام أبي اليسر2 وأفحمه فلما تفرقوا قال إمام الحرمين إن المعاني قد تيسرت لأصحاب أبي حنيفة ولكن لا ممارسة لهم بالحديث فبلغ الشيخ فرده في هذا التصنيف وقال وهم أصحاب الحديث والمعاني أما المعاني فقد سلم لهم العلماء أي سلموها لهم إجمالا وتفصيلا أما إجمالا; فلأنهم سموهم أصحاب الرأي تعبيرا لهم بذلك, وإنما سموهم بذلك لإتقان معرفتهم بالحلال والحرام واستخراجهم المعاني من النصوص لبناء الأحكام ودقة نظرهم فيها وكثرة تفريعهم عليها وقد عجز عن ذلك عامة أهل زمانهم فنسبوا أنفسهم إلى الحديث وأبا حنيفة وأصحابه إلى الرأي والرأي هو نظر القلب يقال رأى رأيا بدل ديد ورأى رؤيا بغير تنوين بخواب ديد ورأى رؤية بجشم ديد وفي المغرب الرأي ما ارتأه الإنسان واعتقده وأما تفصيلا فما روي عن مالك بن أنس أنه كان يقول اجتمعت مع أبي حنيفة وجلسنا أوقاتا وكلمته في مسائل كثيرة فما رأيت رجلا أفقه منه ولا أغوص منه في معنى وحجة وروي أنه كان ينظر في كتب أبي حنيفة رحمهما الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 إمام الحرمين هو: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله الجويني أحد كبار فقهاء الشافعية وعلماء الكلام والأصول ولد سنة 419 هـ وتوفي سنة 478 هـ.
2 هو أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي أخو البزدوي صاحب الأصول.