First Previous Next Last

بالحديث حتى أن من لا يحسن الحديث أو علم الحديث ولا يحسن الرأي فلا يصلح للقضاء والفتوى وقد ملأ كتبه من الحديث, ومن استراح بظاهر الحديث عن بحث المعاني ونكل عن ترتيب الفروع على الأصول انتسب إلى ظاهر الحديث, وهذا الكتاب لبيان النصوص بمعانيها وتعريف الأصول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صبيين اجتمعا على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر"1 فأخطأ لفوات الرأي. وهو أنه لم يتأمل أن الحكم متعلق بالجزئية والبعضية, وذلك إنما يثبت بين الآدميين لا بين الشاة والآدمي, وسمعت عن شيخي رحمه الله أنه قال كان واحد من أصحاب الحديث يوتر بعد الاستنجاء عملا بقوله عليه السلام من استنجى فليوتر, ونظير الثاني أن الرأي يقتضي أن لا تنتقض الطهارة بالقهقهة في الصلاة; لأنها ليست بخارجة نجسة كما هي ليست بحدث خارج الصلاة لكن ثبت بحديث الأعرابي أنها حدث فوجب تركه به, وكذلك الاستسقاء في الصوم لا يكون ناقضا له بمقتضى الرأي; لأنه خارج وليس بداخل والصوم إنما يفسد مما يدخل لكن ثبت بالحديث أنه مفسد للصوم فيترك الرأي به فثبت أن كل واحد لا يستقيم بدون الآخر, ولا يتخالجن في وهمك ما وقع في وهم بعض الطلبة أن قوله لا يستقيم الحديث إلا بالرأي ولا الرأي إلا بالحديث مقتض للدور فيكون باطلا; لأن معنى الدور أن يجعل كل واحد منهما في وجوده مفتقرا إلى الآخر كما إذا قيل لا يوجد الخمر إلا بالعنب ولا العنب إلا بالخمر فيبطل وليس الأمر كذلك ههنا; لأن الرأي ليس بمفتقر في وجوده إلى الحديث ولا الحديث إلى الرأي ولكن افتقار كل واحد إلى الآخر في أمر آخر هو إثبات الحكم الشرعي في الحادثة كعلة ذات وصفين يفتقر كل وصف إلى الآخر في إثبات الحكم وليس هذا من الدور في شيء. وهو كما يقال لا يصير السكر سكنجبينا إلا بالخل ولا يصير الخل كذلك إلا بالسكر فكان توقف كل واحد منهما على الآخر في صيرورته سكنجبينا لا في وجوده فكذا ههنا فصار معنى الكلام لا يستقيم الحديث إلا بالرأي لإثبات الحكم الشرعي ولا الرأي إلا بالحديث لإثبات الحكم أيضا وليس فيها دور كما ترى, يقال استراح فلان بزيد عن عمرو أي طلب راحة نفسه بالاشتغال بزيد والإعراض عن عمرو ومنه الحديث: "مستريح أو مستراح منه", فمن استراح بظاهر الحديث, أي اكتفى به وأعرض عن بحث المعاني, ونكل عن ترتيب الفروع, أي أعرض من نكل عن العدو وعن اليمين إذا جبن.
لبيان النصوص بمعانيها, أي مع معانيها الدالة على الأحكام مثل الخصوص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في الوضوء 1/229 ومسلم في الطهارة رقم 237 ومالك في الموطأ 1/190.