First Previous Next Last

...............................................................................................
والنبط الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر وسمي النبط بهذا الاسم لاستخراجهم مياه القنى فاستعير لما يستخرجه الرجل بفرط ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم فكان في العدول عن لفظ الاستخراج إلى لفظ الاستنباط إشارة إلى الكلفة في استخراج المعنى من النصوص التي بها عظمت أقدار العلماء وارتفعت درجاتهم, فإنه, لولا المشقة ساد الناس كلهم, وإلى أن حياة الروح والدين بالعلم والغوص في بحاره كما أن حياة الجسد والأرض بالماء قال تعالى: {فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} [فاطر: 9] {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر: 9]: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} [قّ: 11]. وقال جل ذكره {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] أي كافرا فهديناه, وإليه وقعت الإشارة النبوية في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "الناس كلهم موتى إلا العالمون" الحديث.
ثم مثال الاستنباط من الكتاب انتقاض الطهارة في الخارج من غير السبيلين بكونه خارجا نجسا قياسا على الخارج من السبيلين الثابت حكمه بقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43], ومن السنة جريان الربا في الجص والنورة والحديد والصفر بالقدر والجنس قياسا على الأشياء الستة المنصوص عليها في قوله عليه السلام: "الحنطة بالحنطة مثل بمثل" الحديث, ومن الإجماع سقوط تقوم منافع المغصوب بعلة أنها ليست بمحرزة قياسا على سقوط تقوم منافع البدل في ولد المغرور الثابت بالإجماع; لأنهم لما أوجبوا قيمة الولد وسكتوا عن تقوم منافع البدن صار إجماعا منهم على سقوط تقومها; لأن السكوت في موضع الحاجة إلى البيان بيان, قد قيل في وجه انحصار الأصول على الأربعة أن الحكم إما أن يثبت بالوحي أو بغيره والأول إما أن يكون متلوا, وهو الذي تعلق بنظمه الإعجاز وجواز الصلاة وحرمة القراءة على الحائض والجنب أو لم يكن والأول هو الكتاب والثاني هو السنة, وإن ثبت بغيره فإما أن يثبت بالرأي الصحيح أو بغيره والأول إن كان رأي الجميع فهو الإجماع, وإن لم يكن فهو القياس والثاني الاستدلالات الفاسدة. وأفعال النبي داخلة فيها, وبعض أصحاب الشافعي حصرها بوجه آخر فقال الدليل الشرعي إما أن يكون واردا من جهة الرسول أو لم يكن والأول إن كان متلوا فهو الكتاب وإن لم يكن فهو السنة ويدخل فيها أقوال النبي وأفعاله, والثاني إن شرط فيه عصمة من صدر منه فهو الإجماع, وإن لم يشترط فهو القياس, ولكن الأولى أن يضاف ذلك إلى الاستقراء الصحيح لأن الدلائل الموجبة للأصالة لم تقم إلا على هذه الأربعة; لأن العقل يوجب حصرها على الأربعة.