كما رواه البخاري1 عن أنس أنه سئل عن قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال: كانت مداً، ثم قرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم بمدّ بسم اللّه وبمد الرحمن ويمد الرحيم، وروى مسلم عنه2 أيضاً، قال: "نزلت عليّ آنفاً سورة، فقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}" إلى آخرها، وهذا هو الصحيح عن أنس أنه روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قراءة البسملة، وليس فيه ذكر الصلاة أصلاً، ونظيره حديث أم سلمة3 أنه عليه السلام كان يقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقطعهما حرفاً حرفاً، وقد تقدم، ويؤيد هذا المعنى حديث سعيد بن جبير، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم بمكة، وكان أهل مكة يدعون مسيلمة - الرحمن - فقالوا: إن محمداً يدعو إله اليمامة، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإخفائها، فما جهر بها حتى مات، رواه أبو داود في مراسيله والمرسل إذا وجد له ما يوافقه، فهو حجة باتفاق.
حديث آخر، موقوف، ولكنه في حكم المرفوع، أخرجه الحاكم في المستدرك4 عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك، قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فبدأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم لأمِّ القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، حتى قضى تلك الصلاة، ولم يكبر حين يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذاك من المهاجرين. والأنصار، ومن كان على مكانه: يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟! أين بسم اللّه الرحمن الرحيم، وأين التكبير إذا خفضت، وإذا رفعت؟! فلما صلى بعد ذلك قرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أمِّ القرآن، وكبر حين يهوي ساجداً، انتهى. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ورواه الدارقطني، وقال: رواته كلهم ثقات، وقد اعتمد الشافعي رحمه اللّه على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر، وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب، والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن مداره على عبد اللّه بن عثمان بن خيثم، وهو وإن كان من رجال مسلم لكنه متكلم فيه، أسند بن عدي إلى ابن معين أنه قال: أحاديثه غير قوية وقال النسائي: لين الحديث، ليس بالقوي فيه، وقال الدارقطني: ضعيف ليَّنوه، وقال ابن المديني: منكر الحديث.
وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرد به، مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضاً من أسباب الضعف، أما في إسناده فغن ابن خيثم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص عن أنس،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في أواخر التفسير ص 754
2 في باب من قال: البسملة آية من أول السورة ص 172.
3 عند الحاكم في المستدرك ص 232- ج 1.
4 ص 233- ج 1.