ونسي ما اتفق العلماء على نسخه، كالتطبيق، ونسي كيف قيام الإِثنين خلف الإمام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= يطول، ثم أراد اتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم، والعمل بوصيته، وظن أن ابن مسعود نسي المعوذتين، لكان الأولى به أن ينساهما كما نسي ابن مسعود، وحاشا ابن مسعود أن ينساهما أو ينكرهما، كما ذكرنا من قبل، وأنه أعلم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتاب اللّه، كما أخبر هو عن نفسه، وصدقه على ذلك أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، البخاري: ص 748.
قوله: ونسي ما اتفق العلماء على نسخه، ونسي قيام الاثنين خلف الإمام اهـ.
أشار به إلى حديث ابن مسعود أخرجه مسلم في صحيحه - في باب الندب على وضع الأيدي على الركب ص 202، عن علقمة، والأسود أنهما دخلا على عبد اللّه فقال: أصلي من خلفكم؟ فقالا: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، ثم ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى، قال: هكذا فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، اهـ. وفي رواية: كأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، اهـ.
قلت: ههنا مسألتين: التطبيق. وقيام الإمام بين الاثنين، وكلاهما ليس من النسيان في شيء، بل فيه التصريح بأنه حفظ سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم في التطبيق. كأنه ينظر إلى أصابع النبي صلى اللّه عليه وسلم. غاية الأمر أنه حفظ سنة، خالفها سنة أخرى، يمكن أن يكون من تنوع العبادات، كالأذان. والإقامة. والتشهد. وتكبيرات العيدين، أو من قبيل الرخصة، كما ظن الشافعي رحمه اللّه، ومن وافقه في قصر صلاة السفر، مع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أتم الصلاة في السفر، وقوله في حديث ابن مسعود: أمرنا بالركب. أو نهينا عن هذا، ليس بشيء منهما حكاية لفظ النبي صلى اللّه عليه وسلم، بل أدى به ما فهم من لفظ النبي صلى اللّه عليه وسلم، ولم يذكر هو، وفهم بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ليس بحجة على بعض آخر، وليس التطبيق بمتفق على نسخه، بل ذهب إلى التخيير بين أخذ الركب، والتطبيق علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وروى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن حمزة عنه، قال: فإن شئت قلت: هكذا يعني وضعت يديك على ركبتيك وإن شئت طبقت، وإسناده حسن، قاله الحافظ في الفتح ص 227 - ج 2، وهذا التأويل هو المتعين، وكيف يظن بابن مسعود - أنه يرى النبي صلى اللّه عليه وسلم كل يوم سبع عشرة مرة. وأبا بكر رضي اللّه عنه. وعمر رضي اللّه عنه أنهم يضعون أيديهم على الركب - وينسى ذلك ابن مسعود، ولا يذكره مذكر؟!.
وأما مسألة توسط الإمام بين الاثنين، فهذا أيضاً ليس من باب النسيان في شيء، بل من باب حفظ سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الباب، غاية ما يقال: إن في المسألة سنة أخرى نسخت هذه السنة التي حفظها ابن مسعود، وكم من مصل لا يتفق له في عمره أن يقتدي بإمام ليس معه إلا واحد؟ فإن لم يتفق لابن مسعود بعد ما حفظ السنة الأولى أن يصلي خلف النبي صلى اللّه عليه وسلم، ومعه رجل آخر فقط، فلا حرج، فإن هذا قلما يقع، وقد اعتذر ابن سيرين عن ذلك، بأن المسجد كان ضيقاً، ذكر البيهقي في باب المأموم يخالف السنة في الموقف ص 99 - ج 3، وفي ص 181، على أن الحديث الذي استدل به على مذهب ابن مسعود هو قيام الإمام بين الاثنين، ليس بنص في ذلك، وما فيه التصريح يمكن أن يكون من تصرف الرواة، فقد روى أحمد في مسنده ص 459 - ج 1 عن يعقوب عن ابن إسحاق: قال: وحدثني عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عن أبيه: قال: دخلت، أنا. وعمي علقمة على عبد اللّه بن مسعود - بالهاجرة - قال: فأقام الظهر ليصلي، فقمنا خلفه، فأخذ بيدي. ويد عمي، ثم جعل أحدنا عن يمينه. والآخر عن يساره، ثم قام بيننا، فصففنا خلفه صفاً واحداً، ثم قال: هكذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعل إذا كانوا ثلاثة، اهـ.
فهذه الرواية تدل على أن ابن مسعود توسط بين أسود. وعلقمة، ولكن كان إمامهما، وهما خلفه، فعلى هذا الاختلاف بين هذا، وبين ما اختاره الجمهور، واللّه أعلم. وظاهر كلام ابن قيم في البدائع يدل على أن ما فعل ابن مسعود هو