First Previous Next Last

"وسئل" رضي الله عنه عن محدث انغمس بنية رفع حدثه هل يرتفع وإن لم يمكث أو كان منكوسا؟ وما معنى قول جامع المختصرات: "ثالثها ودونه ورجح, وهل يشترط كون الماء كثيرا؟ "فأجابه" بقوله: نعم يرتفع حدثه عن جميع أعضاء الوضوء, وإن لم يمكث أو كان منكوسا أو الماء قليلا كما بينته في شرح مختصر الروض, وأما معنى قول النشائي: "ثالثها ودونه ورجح" أي دون إمكان حصول ترتيب فعل المتوضئ حكما إذ الترتيب قسمان: القسم الأول نوعان أحدهما: ترتيب حسي, والثاني: ترتيب حكمي بأن يمكث بعد انغماسه ونيته زمنا يمكنه فيه غسل أعضاء الوضوء حسا لو أراده والقسم الثاني: ترتيب انغسال الأعضاء من غير نظر إلى فعله, وهذا هو الترتيب التقديري وتسميته ترتيبا مجاز. وقوله: "السادس الترتيب" مراد به النوع الأول من القسم الأول, وقوله: "أو إمكانه" مراده به النوع الثاني وهو ما رجحه الرافعي قوله: "ودونه" مراده به القسم الثاني, وهو ما رجحه النووي وإمكان حصول الترتيب غير إمكان تقديره.
وسئل" - فسح الله في مدته - بما لفظه ما محصل الخلاف في موجب الوضوء والغسل من الجنابة والحيض والنفاس؟ وما فائدة الخلاف في ذلك وقد ذكر كثير لذلك فوائد فهل هي صحيحة كلها؟ واختلف تعبيرهم في حكاية الأوجه في موجب ذلك فما التحقيق في ذلك كله؟ فإنه مهم للمحصلين. "فأجاب" - شكر الله سعيه - بقوله: الكلام على ذلك يستدعي مزيد بسط وطول, ومن ثم صنف فيه بعضهم. وحاصل التحقيق في ذلك أن في موجب الوضوء أوجها: الأول: وعليه العراقيون وغيرهم أن موجبه الحدث وجوبا موسعا ما لم يدخل الوقت ويبقى ما يسعه, ويسع الصلاة فقط, ودليله أنه لولاه لم يجب, والدوران دليل العلية, ومعنى كونه موجبا مع عدم الإثم بتأخير الوضوء عنه إجماعا وعدم جريان الخلاف في العصيان بالموت قبل الوقت من غير وضوء أن سبب الوجوب ينعقد به كما يقال: "تجب الزكاة بحولان الحول" بمعنى انعقاد الوجوب مع توقف الاستقرار فيها على التمكن أو أنه سبب لوجوب الوضوء أو لوجوب ترك نحو صلاة النفل ومس المصحف, فهو سبب وجوب واجب مخير قبل الوقت ومعين بعده. فإن قيل: السببية إنما تثبت بالجعل وهو مفقود هنا قلنا: قوله: صلى الله عليه وسلم: "إنما الماء من الماء" مقتض لكون الحدث سببا إذ لا فارق بين الغسل والوضوء وبنى الرافعي على هذا الوجه صحة نية الفرضية قبل الوقت, وإنما لم يكن الخبث موجبا للطهر كالحدث على هذا الوجه, لأن طهارته من باب التروك, وطهارة الحدث من باب الأفعال والكلام في الموجب لهذه لا تلك. الوجه الثاني: أن موجبه دخول الوقت ويعبر عنه بإرادة القيام للصلاة أي أو نحوها مما يتوقف عليه, وبعضهم عبر بالأول وهو أظهر؛ لأنه المحقق للوجوب وبعضهم بالثاني, وهو أوفق لدليل هذا الوجه. وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] الآية, ومعنى كون الإرادة أو دخول الوقت موجبا أنه سبب للموجب, وهو القيام إلى الصلاة إذ وجوبها موجب للوضوء،