وظاهر كلام ابن عبد البر، والقاضي عياض المالكيين أن النهي في ذلك للتحريم ثم زاد الثاني أن أكثر العلماء على ذلك، وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: هو كالفرار من الزحف، وعلى ذلك جرى إمام الأئمة من أصحابنا ابن خزيمة فإنه ترجم في صحيحه باب الفرار من الطاعون من الكبائر، وأن الله سبحانه وتعالى يعاقب من وقع منه ذلك ما لم يعف عنه، واستدل بحديث عائشة في ذلك يعني قوله صلى الله عليه وسلم: "الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف" رواه الإمام أحمد، والطبراني، وابن عدي، وغيرهم. ومن ثم قال التاج السبكي، وتبعه المحققون: مذهبنا، وهو الذي عليه الأكثر أن النهي عن الفرار منه للتحريم وكلام النووي في شرح مسلم صريح في تحريم القدوم على بلد الطاعون كالفرار منه فإنه قال بعد تلك الأحاديث السابقة، وفي الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون، ومنع الخروج منه فرارا من ذلك أما الخروج لعارض فلا بأس به وهذا الذي ذكرنا هو مذهبنا، ومذهب الجمهور. وقال القاضي، وهو قول الأكثرين حتى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها الفرار منه كالفرار من الزحف ومنهم من جوز القدوم عليه، والخروج عنه فرارا أي: وهو المشهور من مذهب مالك ثم قال: والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه، والفرار منه ا هـ. ويؤخذ من قوله: أما الخروج عنه لعارض فلا بأس به أن الخروج بقصد التداوي جائز، وهو ظاهر، ومن قوله: والخروج عنه فرارا أن محل الخلاف في الخروج عنه لأجل الفرار فمذهبنا، ومذهب الجمهور الحرمة، ومذهب مالك الكراهة، وبذلك يرد قول التاج السبكي: ليس محل النزاع فيمن خرج فارا من قضاء الله تعالى فذلك شيء لا سبيل إلى القول بأنه غير محرم بل الظاهر أن محل النزاع فيما إذا خرج للتداوي ا هـ. ووجه رده ما تقرر من أن خروجه للتداوي ينبغي أن يكون جائزا بلا خلاف كما أفاده كلام شرح مسلم، ومن أن محل الخلاف فيمن خرج للفرار كما أفاده كلام شرح مسلم أيضا نعم إن اقترن بقصد الفرار قصد أن له قدرة على التخلص من قضاء الله، وأن فعله هو المنجي له فواضح أن ذلك حرام بل كفر اتفاقا بخلاف قصد الفرار فقط فإنه محل الخلاف وقد مر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله وليس في كلامه تأييد للمالكية؛ لأنه لم يفر من محل الطاعون ثم رأيت بعض المحققين من متأخري الشافعية اعترض ما مر عن التاج السبكي فقال عقب ما مر عنه هذا ليس بظاهر؛ لأن الخروج للتداوي ليس حراما في مذهب الشافعي، وجماعة وقد صح أن الخروج حرام فكيف محله ما إذا خرج للتداوي، والخروج للتداوي ليس بمحرم بل العبارة الصحيحة أن يقول: محل النزاع فيما إذا خرج فارا من المرض الواقع مع اعتقاده أنه لو قدره عليه لأصابه، وأن فراره لا ينجيه لكن يخرج مؤملا أن ينجو هذا الذي ينبغي أن يكون محل النزاع فمن منع احتج بالنهي، ومن أجاز حمل النهي على التنزيه ا هـ. وهو كلام حسن، والحاصل أن من خرج لشغل عرض له أو للتداوي من علة به طعن أو غيره فلا يختلف في جواز الخروج له