First Previous Next Last

لأجل ذلك، ولو عرضت له حاجة للخروج، وانضم لذلك قصد الفرار فالذي اقتضاه كلام أئمتنا في فروع متعددة الحرمة؛ لأن قصد المحرم وجد، وانضمام القصد الجائز له لا يمنع إثمه فهو نظير ما لو قرأ الجنب بقصد القرآن، والذكر، وما لو قال في الصلاة: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} [مريم: 12] أو سبحان الله بقصد القرآن، وتنبيه الغير فإن الصلاة تبطل نظرا لقصد التنبيه، وإن انضم إليه قصد القرآن، وبهذا يظهر لك أنه لا فرق هنا بين أن يغلب قصد الفرار أو الحاجة أو يتساويا فالحرمة موجودة في الأحوال الثلاثة خلافا لبعض المالكية، ومحل النظر إلى قوة الباعث، وضعفه فيما إذا جاز القصدان لكن أحدهما يقتضي الثواب، والآخر يقتضي عدمه كقصد الوضوء، والتنظيف أو التبرد على أن النظر هنا لقوة الباعث إنما هو رأي الغزالي. وأما ابن عبد السلام فإنه يغلب قصد نحو التبرد هنا، وإن ضعف فلا ثواب عنده مطلقا، واعلم أن بعض العلماء ذهب إلى أن النهي عن الخروج تعبدي؛ لأن الفرار من المهالك مأمور به وقد نهي عنه في هذه الصورة فهو لسر لا نعلمه، وذهب كثير من العلماء إلى أنه معلل إما بالطاعون إذا وقع في البلد عم جميع من فيه بمداخلة سببه فلا يفيده الفرار منه بل إن كان أجله قد حضر فهو ميت، وإن رحل، وإلا فلا، وإن أقام فتعينت الإقامة لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء، وإما بأن الناس لو تواردوا على الخروج لبقي من وقع به الطاعون عاجزا عن الخروج فضاعت المرضى لفقد من يتعهدهم، والموتى لفقد من يجهزهم. وإما بأن خروج الأقوياء فيه كسر لقلوب من لا قوة له على الخروج، وإما بأن الخارج يقول: لو لم أخرج لمت، ويقول المقيم: لو خرجت لسلمت، فيقعون في اللو المنهي عنه مع ما في الخروج من الفرار من حكم الله، وعدم الصبر المأمور به، والإعراض عما في الإقامة من الأجر الكبير إذ للميت به أجر شهيد وكذا للمقيم صابرا محتسبا، وإن لم يمت به وقال ابن عبد البر النهي عن الخروج للإيمان بالقدر، وعن القدوم لرفع ملامة النفس. وقال ابن العربي حكمة منع القدوم أنه تعالى أمر أن لا يتعرض أحد للحتف، وإن كان لا نجاة من قدر الله مع الصيانة عن الشرك لئلا يقول الداخل: لو لم أدخل لم أمرض، وغيره لو لم يدخل فلان لم يمت. وقال ابن دقيق العيد الذي يترجح عندي في الجمع بين النهي عن الفرار، والنهي عن القدوم أن القدوم عليه تعرض للبلاء ولعله لا يصبر عليه، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر، والتوكل فمنع ذلك لاغترار النفس، ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقيق، وأما الفرار فقد يكون داخلا في باب التوغل في الأسباب متصورا بصورة من يحاول النجاة مما قدر عليه، ويشير إلى ما قررته قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموه فاصبروا" فأمرهم بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف الإضرار بالنفس، وأمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لأمر الله سبحانه وتعالى. ا هـ. وخرج بالفرار من محل الطاعون الفرار من أرض الوباء فإنه جائز بالإجماع كما قاله الجلال السيوطي، وعبارته الوباء غير الطاعون، والطاعون أخص من الوباء وقد اختص أي: الطاعون بكونه شهادة