First Previous Next Last

ونيله درجة الشهادة بقتل العدو له، وقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} أي: من حيث العموم فلذلك يجوز أنه يطعنه عدوه الجني مع كونه ممنوعا منه بالمعقبات من الملائكة في أكثر أحواله لإرادة الخير به، ونيله درجة الشهادة من وخزه مع ضعف كيده، ومن ثم كان طعنه غير نافذ بخلاف طعن الإنس إذ ذاك أصل الوخز بفتح الواو، وسكون المعجمة بعدها زاي،، وسبب عدم نفوذه أنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر في الباطن أولا ثم قد ينفذ إلى الظاهر، وطعن الإنس يؤثر أولا في الظاهر ولا يقال: يلزم من كونه من وخز الجن عدم وقوعه في رمضان لما صح أن الشياطين تفل فيه، وتصفد. وقد وقع فيه بل كان فيه أكثر منه في غيره؛ لأن تصفيدهم إنما هو عما يترتب عليه إثم من تزيين المعصية لابن آدم حتى يقع فيها، بخلاف ما لا يترتب عليه ذلك بل يترتب عليه الثواب كالطاعون فلا يمنعون منه كما لا يمنعون مما لا إثم فيه ولا ثواب كالاحتلام وذلك باعتبار الغالب، وإلا فقد يزينون لابن آدم كثيرا من المعاصي فيه، ثم رأيت الحليمي أجاب بذلك، وابن خزيمة قال: المراد بعضهم لا كلهم لحديث: "صفدت الشياطين مردة الجن" فمردة نعت مخصص أو بدل بعض من كل، ورواية مردة بمعنى رواية وصفدت الشياطين المطلقة، وعلى هذا فالوخز يقع في رمضان من غير المردة، وقال عياض: يحتمل المراد كلهم إشارة إلى كثرة الثواب وقلة إغوائهم فهم كالمصفدين. ورجح القرطبي حمله على ظاهره لكن بالنسبة لمن صام الصوم المعتبر بشروطه، وآدابه، ورجح بعض المحققين ما قاله ابن خزيمة، ومنها الكلام على كونه شهادة وقد مر ذلك في الأحاديث السابقة وهو في الصحيحين، وأيضا، وفي حديث حسن: "أتاني جبريل بالحمى، والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام فالطاعون شهادة لأمتي، ورحمة لهم، ورجس على الكافر" ولا ينافي هذا أنه قد يكون عقوبة. فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله تعالى عليهم الموت"، وفي رواية: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا"، وفي رواية: "ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفناء، وما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب". ووجه عدم المنافاة أن من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن عجل لهم عقوباتهم في الدنيا كما في الحديث: "أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن، والزلازل، والقتل". رواه أبو داود بسند حسن وهو محمول على معظم الأمة لثبوت أحاديث الشفاعة في قوم يعذبون ثم يخرجون من النار، والحاصل أن كونه عقوبة بسبب المعصية لا ينافي كونه شهادة لجميع من طعن لا سيما من لم يباشر المعصية المذكورة ولعل سبب العموم تقاعدهم عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أو زيادة حسنات من لم يباشر الفاحشة للحديث الصحيح: إن الرجل لتكون له عند الله المنزلة ما يبلغها بعمله فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها ولا كونه شهادة في حق