داود الطيالسي: من مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين، وبالشفاعة لحديث ذكره ابن ماجه في مسنده: من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين، وروي أيضا: من مات بمكة أو في طريق مكة بعث من الآمنين، قال الحافظ السخاوي: ويروى الأمن من فتنة القبر لمن مات في أحد الحرمين أو في طريق مكة أو مرابطا ولمن يقرأ سورة الملك عند منامه، ولكونه شهادة جاء عند الديلمي أن الطاعون أول رحمة ترفع من الأرض، وعند ابن السني وغيره أوشك الفالج أن يفشو في الناس حتى يتمنوا الطاعون مكانه. ومنها الكلام على الخروج من محله والدخول إليه قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ} [البقرة: 243] الآية، وأقوى الطرق، وأحسنها أن فرارهم كان من الطاعون فعوقبوا على ذلك بأن أماتهم الله سبحانه وتعالى قبل آجالهم ثم بعد مدة أحياهم الله، وبقيت عليهم آثار الموت فلا يلبسون ثوبا إلا صار عليهم كفنا ليعرفهم أهل ذلك الزمان، فيعتبروا بهم. قال الإمام أبو بكر الرازي: دلت الآية على أن الله تعالى كره فرارهم من الطاعون وهو نظير قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} [الأحزاب: 16] وقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] وقوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} [الجمعة: 8]، وفي الصحيحين: الطاعون رجس أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وفيهما: أن عمر خرج للشام فأخبر أن بها وباء فاستشار المهاجرين فاختلفوا، والأنصار فاختلفوا فدعا من كان هناك من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فاتفق رأيهم على أن يرجع بالناس ولا يقدمهم على ذلك الوباء فهم بالرجوع فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟. فقال عمر: لو غيرك قالها نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، وكان عبد الرحمن بن عوف غائبا فلما جاء قال: إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" فحمد الله تعالى عمر ثم انصرف. وقد ورد بمعنى ذلك عدة أحاديث، واختلف العلماء في دخول بلد الطاعون مثلا والخروج منه فأكثر العلماء على الأخذ بظاهر الحديث، ومن ثم قال التاج السبكي: مذهبنا وهو الذي عليه الأكثر أن النهي عن الفرار منه للتحريم بل قال ابن خزيمة: إن الفرار منه كبيرة، وإن الله تعالى يعاتب الفار منه ما لم يعف عنه واستدل على ذلك بحديث أحمد، والطبراني، وابن عدي، وغيرهم: الفار من الطاعون كالفار من الزحف، وبه يعلم وهم ابن رشد المالكي في دعواه الإجماع على عدم التحريم، وضعف قول كثيرين أن النهي للتنزيه قيل: وهو المشهور من مذهب مالك، وتزييف القول باستحباب الخروج عنه قال التاج السبكي: واتفقوا على جواز الخروج لشغل عرض غير الفرار، قال: وليس محل النزاع فيمن خرج فارا من قضاء الله تعالى فذلك لا سبيل إلى القول بحله بل الظاهر أن محل النزاع فيما إذا خرج