للتداوي ا هـ. واعترض بأن الخروج للتداوي غير محرم في مذهبنا فالعبارة الصحيحة أن يقال: محل النزاع إذا خرج فارا من المرض الواقع مع اعتقاد أنه لو قدره الله عليه لأصابه، وأن فراره لا ينجيه لكن يؤمل النجاة وخرج بقوله مع اعتقاد الخ، من خرج فارا من قضاء الله تعالى معتقدا أن ذلك ينجيه فلا توقف في تحريمه بل ربما يكفر به، ولو قصد الخروج لحاجة، والفرار فالذي يظهر أنه يأثم بقدر قصده؛ لأن الفرار محرم وقصد المحرم حرام سواء انفرد أو شاركه قصد شيء آخر جائز، وبه يعلم أن الأرض التي وقع بها الطاعون لو كانت وخمة، والتي يريد التوجه إليها صحيحة فتوجه إليها بهذا القصد حرم عليه؛ لأن هذا من صور الفرار لغير حاجة كما اقتضاه إطلاق أصحابنا، ثم ما المراد بكونه في أرض الطاعون حتى يحرم عليه الخروج منها، والذي يظهر في ذلك أنه إن وقع بإقليم حرم عليه الخروج من ذلك الإقليم لا من بعض قراه إلى بعض؛ لأنها كلها بالنسبة إلى عموم الطاعون بمنزلة الموضع الواحد، وإن اختص ببلد أو بلاد من إقليم حرم الخروج مما اختص به إلى غيره لا من بعض ما اختص به إلى بعضه، وإذا كان في بلد مثلا فهل الفرار منها بالخروج إلى خارج عمرانها أو سورها أو إلى خارج مزارعها لم أر في ذلك كالذي قبله شيئا، والذي يظهر أنه يتبع في ذلك عرف أهلها فكل محل عدوا الخروج إليه فرارا حرم الخروج إليه، وإلا فلا، وحكم دخول محل الطاعون كالخروج منه فيما تقرر من التحريم، وغيره وقد صرح بذلك النووي في شرح مسلم فقال: وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون، ومنع الخروج منه فرارا من ذلك أما الخروج لعارض فلا بأس به هذا مذهبنا، ومذهب عامة الجمهور من العلماء قال القاضي: وهو قول الأكثرين، ومنهم من جوز ذلك، والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه، والفرار منه ا هـ. قيل: والنهي عن الخروج تعبدي؛ لأن الفرار عن المهالك مأمور به، وعلله آخرون بأنه إذا وقع بمحل عم جميع من فيه فلا يفيده الخروج شيئا فكان عبثا، وبأنه لو مكن الناس منه بقي من وقع به عاجزا عن الخروج فلا يبقى للمرضى متعهد ولا للموتى مجهز، وأيضا ففي خروج الأقوياء كسر لقلوب الضعفاء وقال ابن عبد البر: النهي عن الخروج للإيمان بالقدر، وعن القدوم لدفع ملامة النفس قال غيره: ولأن الله سبحانه وتعالى أمر أن لا يتعرض أحد للحتف، وإن كان لا نجاة من قدر الله، وفيه الصيانة عن الشرك لئلا يقول القائل: لو لم أدخله لم أمرض، ولو لم يدخل فلان لم يمت. وقال ابن دقيق العيد: الذي يترجح عندي في الجمع بين النهي عن الفرار، والنهي عن القدوم أن علة القدوم التعرض للبلاء ولعله لا يصبر عليه، وربما كان فيه نوع دعوى لمقام الصبر، والتوكل فمنع لاغترار النفس، ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقيق، وأما الفرار فقد يكون داخلا في باب التوغل في الأسباب متصورا بصورة من يحاول النجاة مما قدر عليه، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا" فأمرهم بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء وخوف الإضرار بالنفس ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لأمر الله