First Previous Next Last

وإذا خرج فهل يلزمه العود خروجا من المعصية أو لا لانتهائها بالخروج لم أر في ذلك شيئا، والقياس أننا متى قلنا بأن النهي تعبدي وجب العود، وإلا بني ذلك على علة التحريم فعلى العلة الأولى لا يجب العود، وعلى الثانية وهي أنه لو مكن الناس من الخروج لضاع الباقون يجب العود؛ لأن الحق للغير فلو مكناه من التمادي لضاع حق الغير بخلاف ما لو ألزمناه بالعود فإن قلت: في عوده دخول وقد تقرر أنه محرم فتعارض في حقه واجب وهو العود، ومحرم وهو الدخول فلم غلب الأول قلت: هذا التعارض ممنوع؛ لأن هذا الآن لا يسمى ابتداء دخول، والمحرم إنما هو ابتداء الدخول لا الدخول من حيث هو ألا ترى أن من خرج لا للفرار ثم أراد العود فإنه يجوز له ذلك من غير توقف مع أن فيه دخولا فدل ذلك على أن المحرم هو ابتداء الدخول فقط، وحينئذ فلم يتعارض ما مر، وإذا تقرر أنه لا تعارض فاتجه البناء الذي ذكرته، ومع ذلك لو قيل: بعدم وجوب العود مطلقا لم يبعد، وإن كان ذلك هو الوجه. ومنها أنه هل يدخل مكة، والمدينة وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقب منها أي: طريق أو باب أو مدخل ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وضمير منها عائد على كل واحدة من البلدين قال ابن قتيبة: ولم يقع بهما طاعون قط، وأقره الأئمة بعده منهم النووي رحمه الله تعالى في أذكاره وغيره، وما قيل: إنه دخلها في عام تسع وأربعين وسبعمائة فهو وإن نقله جماعة فهو مردود بأن الأمر ليس كما ظنوا أي: بل كان ذلك وباء لا طاعونا كما يدل له كلام الفاسي في موضع، وإن عبر عنه بالطاعون في موضع آخر؛ لأن الوباء قد يسمى طاعونا مجازا كعكسه بجامع كثرة الموت فيهما كما مر فعلم أنه لم يدخل مكة طاعون قط ولا يدخلها إن شاء الله تعالى لصحة الحديث كما مر وقول الدماميني إسناده ضعيف وهم، وفي حديث البخاري فلا يدخلها يعني: المدينة الدجال ولا الطاعون إن شاء الله قيل: هذا الاستثناء يحتمل التعليق، ويحتمل التبرك وهو أولى وقيل: إنه يتعلق بالطاعون، وعدم دخول الطاعون للمدينة أمر متفق عليه إلا ما شذ به القرطبي من قوله: المراد لا يدخلها طاعون عظيم مثل طاعون عمواس، وطاعون الجارف إذ قضيته أنه يدخلها طاعون غير عظيم وليس كذلك كما جزم به العلماء. ومنها أنه هل يشرع الدعاء برفعه أما الدعاء برفعه، والخروج إلى الصحراء فبدعة قيل: بل لو قيل بتحريمه لكان ظاهرا؛ لأنه إحداث كيفية يظن الجهال أنها سنة، وأما القنوت له في الصلاة فليس بمشروع عند غير الشافعية، واختلف الشافعية فبعضهم أفتى به، وبعضهم أفتى بامتناعه، والأوجه الأول كما بينته في حاشية العباب، وغيرها مع الرد على من أطال في خلافه ولا كراهة في الدعاء برفعه عن نفسه أو غيره من غير اجتماع لذلك وكرهه بعض الحنابلة، ومال إليه بعض متأخري الشافعية، ويدل لما مر من القنوت له قول الشيخين يشرع القنوت في سائر الصلوات لنازلة كالوباء فقولهما كالوباء يشمل الطاعون إما بقياس المساواة، وإما لكونه يطلق عليه مجازا كما مر ولا يمنع من ذلك كونه شهادة ورحمة