يجريان فيما لو وقع ذلك بعد الموت في أن هذا القبول، والقبض ليسا إجازة، وإلا لم يجز له الرجوع كما مر وهذا عين ما قدمته أن قبول الوارث للوقف أو البيع أو نحوهما من الموصى له بما يتوقف على إجازة الوارث لا يكون متضمنا لإجازته بل له الرد بعده، وما رجحه البلقيني من الطريقة الثانية هو الوجه الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه لوضوح الفرق بين ما هنا، والصداق، وحاصله أن الزوجة قبل الطلاق تملك الصداق ملكا تاما حقيقيا فصح تصرفها فيه ولم يكن للزوج بعد الفراق فإذا وهبته له ثم فارقها كانت متلفة له قبل الفراق فرجع عليها ببدله، وأما الموصى له في مسألتنا فهو قبل الإجازة من الوارث لا ملك له تام بدليل أن للوارث نقض تصرفه فإذا تصرف، ولو مع الوارث بالهبة له أو الوقف عليه لم يكن للوارث الرجوع عليه؛ لأنه إن رد الوصية ملك الموصى به بطريق الإرث، وإن أجاز بأن ملك الموصى به وصحة الوصية فلا رجوع له أيضا، ومما يؤيد ما ذكرته قول القفال على كل من القولين أي: إن إجازة الوارث تنفيذ أو ابتداء عطية تجوز بلفظ الإجازة، والتنفيذ ولا يفتقر إلى القبول؛ لأنها ليست بهبة محضة وهكذا ذكره في الحاوي ا هـ. فعلمنا من كلامه، وإن كان غير معتمد بالنسبة للقول الثاني الذي هو الضعيف أن الإجازة على الأصح فيها هبة لكنها غير محضة، وإذا كان فيها ذلك اتضح أنه لا بد فيها من اللفظ، وأنه لا يكفي الفعل نظرا إلى شائبة الهبة فإن للوارث حقا فيما نفذه فكأنه بإجازته وهبه ذلك الحق فكانت إجازته متضمنة للهبة فاتضح أنه لا يكفي فيها الفعل كالهبة وصرح المتولي بأن الإجازة على الأصح أنها تنفيذ تنزل منزلة الإبراء ا هـ. وهو كالصريح فيما ذكرته؛ لأن الإبراء لا بد فيه من اللفظ ولا يكفي الفعل وقد نص الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم على أنها منزلة منزلة الإبراء حيث قال إنها إسقاط لحق الوارث عن مال الميت فلا تصح مع الجهل به كالإبراء وقد جرى الأصحاب على ذلك فقالوا: لا تصح الإجازة مع الجهل بمقدار ما أجازه.
وسئل عمن أوصى بثمرة بستان لأناس معينين عشر سنين ليكون بعد العشر الأصل، والشجر ملكا لإنسان هل يصح أو لا؟. وبعد موت الموصي يكفي قبول الموصى لهم بالرقبة قبل موت من لهم ثمرة البستان أو لا؟. فأجاب بقوله: إذا قال: أوصيت بثمرة بستاني لفلان أو لبني فلان عشر سنين ثم بعد مضيها يكون الأصل، والثمرة لفلان صحت الوصيتان على ما ذكره كما دل عليه كلامهم في مسائل منها قولهم لو قال استخدموا عبدي سالما بعد موتي سنة ثم أعطوه فلانا أو ثم أعتقوه صح ولا تقوم عليهم خدمة السنة لاستعمالهم ملكهم، وتقوم بعدها وقولهم: لو قال: إلا ولدت دابتي ذكرا فهو لزيد أو أنثى فهي لعمرو صح، واتبع ما قاله فإن ولدتهما معا أو مرتبين أعطي الذكر لزيد، والأنثى لعمرو وقولهم: لو أوصى لصبي بشيء وقال: لا تعطوه له حتى يبلغ لم يعط حتى يبلغ كما لو قال: أعتقوه بعد موتي بثلاثة أيام وقولهم: لو أوصى بمنفعة عبده لزيد، وبرقبته لعمرو جاز فإن رد عمرو فهل تعود المنفعة للموصى له بالرقبة أو للوارث وجهان الأصح الثاني وقولهم لو أوصى لزيد من أجرة داره