"الكبيرة الستون والحادية والستون بعد الأربعمائة: الإطراء في الشعر بما لم تجر العادة به كأن يجعل الجاهل أو الفاسق مرة عالما أو عدلا والتكسب به مع صرف أكثر وقته وبمبالغته في الذم والفحش إذا منع مطلوبه".
وكون هذين كبيرتين هو ما دل عليه ما يأتي عند الماوردي، ويدل عليه أيضا قول الفوراني في العمدة: ولو بالغ في مدح رجل فقال: ما لم تجر به العادة فهو كذب صريح وسفه ترد به الشهادة. قال الأذرعي: وتقييده بالعادة حسن. وقال الشيخ أبو محمد: إن لم يكثر الكذب المحض فشهادته جائزة، ثم قال في العمدة: إن ذكر مثل تشبيهه الرجل بالأسد وبالبدر فلا يقدح، وكذلك الكاتب إذا ذكر ما تجري به العادة كقوله أنا في ذكرك آناء الليل والنهار، ولا أخلي مجلسا عن ذكرك، وأنت أحب إلي من نفسي، فهذا لا يقدح لأنه لا يقصد الكذب ولكنه تزيين للكلام فهو بمنزلة لغو اليمين، وما ذكره حسن بالغ وعليه ينزل ما ذكر عن شيخه القفال والصيدلاني وقد مر في مبحث الكذب، ويحتمل أن يفرق بين ممدوح وممدوح، فإذا بالغ في وصف من عنده نحو كرم أو علم أو شجاعة مما هو متصف به وأغرق فيه لم يضر وإن عري عن ذلك الوصف بالكلية بأن جعل فاسقا أو جاهلا أو شحيحا أعلم الناس أو أعدلهم أو أكرمهم أو نحو ذلك مما يقطع بكذبه الحس، فهذا مطرح لجلباب الحياء والمروءة، وكذلك من اتخذ المدح حرفة وأنفق فيه غالب أوقاته بخلاف من مدح في بعض الأحيان أفرادا لمعروف وصل إليه منهم، فهذا يغتفر له الإغراق في الثناء؛ لأنه يراد به إظهار الصنعة وجودة النظم.
وقال الماوردي: إذا كان المكتسب بالشعر إذا أعطي مدح ولا يذم إذا منع ويقبل ما وصل إليه عفوا فهو على عدالته وقبول شهادته ا هـ. وهذا حسن صحيح ا هـ. كلام الأذرعي وبمفهوم ما ذكره عن الماوردي واستحسنه يتأيد ما ذكرته في الترجمة. وقال أيضا: لو كان الشاعر يمدح ويطري فإن أمكن حمله على ضرب مبالغة جاز وإلا كان كذبا محضا على ما قاله عامة الأصحاب ا هـ.
واختلف الأدباء وغيرهم في أن الأولى في الشعر المبالغة أو ذكر الشيء على حقيقته، فقيل المبالغة أولى، وقيل: عدمها وذكر الشيء على حقيقته أولى ليؤمن الكذب وعليه حسان وغيره، وقيل؛ إن أدت إلى مستحيل تركت وإلا فهي أولى.