الاختلاف، فلما وقع؛ فهم أنه من جهة ماله خروج عن المعقول ولو بوجه ما.
فالجواب عن الأول أن فواتح السور للناس في تفسيرها مقال1 بناء على أنه مما يعلمه العلماء، وإن قلنا: إنه مما لا يعلمه العلماء ألبتة؛ فليس مما يتعلق به تكليف على حال، فإذا خرج عن ذلك؛ خرج عن كونه دليلًا على شيء من الأعمال، فليس مما نحن فيه، وإن سلم؛ فالقسم الذي2 لا يعلمه إلا الله تعالى في الشريعة نادر، والنادر لا حكم له، ولا تنخرم به الكلية المستدل عليها أيضا؛ لأنه مما لا يهتدي العقل إلى فهمه، وليس كلامنها فيه، إنما الكلام على ما يؤدي مفهومًا لكن على خلاف المعقول، وفواتح السور خارجة عن ذلك؛ لأنا نقطع أنها لو بينت لنا معانيها؛ لم تكن إلا على مقتضى العقول، وهو المطلوب.
وعن الثاني3 أن المتشابهات ليست مما تعارض مقتضيات العقول وإن توهم بعض الناس فيها ذلك؛ لأن من توهم فيها ذلك؛ فبناء على اتباع هواه، كما نصت عليه الآية قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: فهي مما يعقل معناه، وقوله: "ليس مما يتعلق به تكليف على حال"؛ أي: لا بأمر عملي ولا بأمر اعتقادي، وقوله: "على شيء من الأعمال"؛ أي: القلبية أو البدنية، وقوله: "وإن سلم"؛ أي: إن سلم كونها من الأدلة، فمع كونها نادرة لا تنافي هذا الأصل لأنها ليست مؤدية لمعنى يفهم العقل أنه على خلاف قضاياه؛ فقوله: "ولا تنخرم... إلخ" هو روح الجواب بالتسليم. "د".
2 هكذا في "د" و"ف" و"ط"، وهي ليست في الأصل، وفي "م": "الثاني الذي".
3 أدمج فيه الجواب عن الثالث؛ لأن مبنى الاعتراضيين متقارب، فإن اختلاف الإخبار بالمعاني المتعددة واختلاف العقول فيها إنما جاء من تشابهها على العقول حتى تفرقت فيها؛ فلذلك قال: "وهذا كما يأتي في الجملة الواحدة... إلخ"، وهو تمهيد للجواب عن الثالث، وإن لم يعنون له بعنوان خاص؛ إلا أن الاشتباه الذي يكون بين الإخبار بالمعاني المتعددة كما سيذكر أمثلته لا يتناوله الفرض الثاني في كلامه؛ فلا يدخل فيما لا يعلمه إلا الله؛ فقوله: "وهذا كما لا يأتي... إلخ" ليس المراد به كل ما تقدم، بل ما يصلح لذلك، وهو خصوص أن التأويل فيها يرجع بها إلى معقول موافق بخلاف قوله: "وإن فرض أنها... إلخ". "د".