First Previous Next Last

وكذلك الصيام أيضا؛ فقد كانت الجاهلية تصوم يوم عاشوراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه أيضا، حين قدم المدينة صامه وأمر بصيامه حتى نسخه رمضان، وانظر في حديث عائشة في صيام يوم عاشوراء1؛ فأحكمهما التشريع المدني، وأقرهما عل ما أراد2 الله تعالى من التمام الذي بينه في اليوم الذي هو أعظم أيامه3؛ حين قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [المائدة: 3]؛ فلهما أصل في المكي على الجملة4.
والجهاد الذي شرع بالمدينة فرع5 من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مقرر بمكة؛ كقوله: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لقمان: 17]، وما أشبه ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لفظه عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: "كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان ترك يوم عاشوراء؛ فمن شاء صامه، ومن شاء تركه". أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، 4/ 244" -وهذا لفظه- ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، 2/ 792/ رقم 1125".
قال "د": "المؤلف يريد أن أصل مشروعية الصيام كانت بمكة، ويكفي في إثبات هذا صيامه صلى الله عليه وسلم ليوم عاشوراء فيها؛ لأنه بعد الرسالة إنما كان يتعبد بالشرع قطعًا، وكونه كان خاصًا به لا يمنع أن أصل المشروعية للصيام كان بمكة".
2 كذا في "ط"، وفي غيره: "أقر".
3 يشير إلى أن سنة الله في التشريع كسنته في التكوين، يرى المتأمل فيها من الحكم البالغة ما يبهر النظر؛ فإنه سبحانه بدأ في إنزال أوضاع الشريعة بالضروري الذي لا تصلح الأمة بدونه، ولا تخرج من ظلمة الجاهلية بغيره؛ فشرع لها بمكة ما يكفل ذلك، ثم لما صلب عودها، وبلغت أشدها، واستعدت العقول لما يكمل ذلك من الأوضاع الشرعية؛ شرع لها بالمدينة ما أكمل به الدين وأتم به النعمة، ولولا ذلك التدرج؛ لنأت الأمة بالتكاليف، وشرد عن قبولها كثير؛ فلله الحمد والمنة. "ف".
4 علمت أنه وإن أفاد في الصوم لكنه لا يفيد في الحج. "د".
5 بل هو أعلى فروعه كما سبق لنا بيانه. "د".