ومثال ما تخلف فيه الشرط قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43].
فالمفسرون هنا على أن المراد بالسكر ما هو الحقيقة أو سكر النوم، وهو مجاز فيه مستعمل، وأن الجنابة والغسل منها على حقيقته، فلو فسر على أن السكر هو سكر الغفلة والشهوة وحب الدنيا المانع من قبول العبادة في اعتبار التقوى كما منع1 سكر الشراب من الجواز في صلب الفقه، وأن الجنابة المراد بها التضمخ2 بدنس الذنوب، والاغتسال هو التوبة؛ لكان هذا التفسير غير معتبر لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع ولا عهد لها به؛ لأنها لا تفهم3 من الجنابة والاغتسال إلا الحقيقة، ومثله قول من زعم أن النعلين في قوله تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] إشارة إلى خلق الكونين4؛ فهذا على ظاهره لا تعرفه العرب لا في حقائقها المستعملة ولا في مجازاتها، وربما نقل في [معنى] قوله صلى الله عليه وسلم: "تداوَوا؛ فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء"5 أن فيه إشارة6 إلى التداوي بالتوبة من أمراض الذنوب، وكل ذلك غير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: فيكون مما استعمل فيهما بدون تحقق الشرط. "د".
2 أي: مجازا مرادا مع الحقيقة؛ لأن أرباب الإشارة من الصوفية لا يقصرون المعنى المراد على المجاز في مثل هذا. "د".
3 أي: ولا تفهم من السكر سكر الغفلة والشهوة لا مجازا ولا حقيقة. "د".
4 كما في "لطائف الإشارات" "2/ 448" للقشيري، وانظر: "4/ 250".
5 مضى تخريجه "1/ 217"، وهو حديث صحيح.
6 ليست الإشارة في كلامهم مما يراد منه استعمال اللفظ في المعنى المذكور، وحاشاهم أن يقولوا ذلك، بل معناه أن الألفاظ مستعملة في معناها الوضعي العربي، وإنما يخطر المعنى الإشاري على قلوب العارفين عند ذكر الآية أو الحديث، بعد فهمه على الطريق العربي الصحيح، كما أفاده ابن عطاء الله في كتابه "لطائف المنن". "د".