فلا حرج على من فعلها1.
ونظير ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يواصل الصيام ثم نهى عن الوصال2، وفهم الصحابة من ذلك -عائشة وغيرها- أن النهي للرفق؛ فواصلوا3، ولم يواصلوا كلهم، وإنما واصل منهم جماعة كان لهم قوة على الوصال، ولم يتخوفوا عاقبته من الضعف عن القيام بالواجبات.
وأمثلة هذا الضرب كثيرة، وحكمه الذي ينبغي فيه الموافقة للعمل الغالب كائنًا ما كان، وترك القليل أو تقليله حسبما فعلوه، أما فيما كان4 تعريفا بحد وما أشبهه؛ فقد استمر العمل الأول5 على ما هو الأولى؛ فكذلك يكون بالنسبة إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: المداومة. "د".
2 مضى تخريج ذلك. "2/ 239".
3 ينظر في تفصيل ذلك: "الاستذكار" "10/ 151 وما بعدها"، و"التمهيد" 14/ 363"، و"القبس" "2/ 478"؛ ففيها كلام جيد على هذه المسألة.
ومن اللطائف ما قاله ابن العربي في "القبس" "2/ 478": "ووقعت ببغداد نازلة تتعلق بهذا الحديث -أي قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ههنا... فقد أفطر الصائم"- وذلك أن رجلا قال -وهو صائم-: امرأته طالق إن أفطرت على حار وعلى بارد، فرفعت المسألة إلى أبي نصر بن الصباغ -إمام الشافعية بالجانب الغربي- فقال: هو حانث؛ إذ لا بد من الفطر على أحد هذين. ورفعت المسألة إلى أبي إسحاق الشيرازي بالمدرسة؛ فقال: لا حنث عليه؛ فأنه قد أفطر بدخولها على غير هذين، وهو دخول الليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم... وساق الحديث إلى قوله: "فقد أفطر الصائم"، وفتوى ابن الصباغ أشبه بمذهب مالك رضي الله عنه".
4 وهو النوع الأول من هذا الضرب المذكور في كلامه آنفا. "د".
5 أي: في عهده صلى الله عليه وسلم، وقوله: "فكذلك يكون... إلخ"؛ أي يكون الشأن فيما جاء من الصحابة والسلف موافقتهم فيه له صلى الله عليه وسلم، أي الحكم فيه للعمل الغالب قطعا بدون توهم؛ فقوله: "بعد" بالضم، وقوله: "موافقته" فاعل، ولعل فيه تحريف كلمة موافقتهم له بموافقته لهم كما هو الأنسب، أي: وأما إذا حصل اختلاف بعد لترخيص منهم بسبب اقتضاه؛ فسيأتي أنه وإن كان طريقًا يصح سلوكه؛ إلا أن الأصل هو الأولى، وهذا معنى قوله: "وأما غيره... إلخ"؛ أي: فغير ما وافقوا عليه فربما يفهم فيه أن الحكم ليس للعمل الغالب الذي كان في عهده صلى الله عليه وسلم، ولكن الواقع أن الأمر فيه مثل ما وافقوا عليه؛ كما يتبين ذلك من إرجاع الأمثلة التي حصلت فيها المخالفة إلى أن الأولى فيها أيضا ما كان العمل جاريًا فيه على عهده صلى الله عليه وسلم، وغيره يعتبر مرجوحًا، مع كونه صح في ذاته لسبب اقتضاه. "د".