فالحاصل أن الأمر أو الإذن إذا وقع على أمر له دليل مطلق؛ فرأيت الأولين قد عنوا1 به على وجه واستمر عليه عملهم؛ فلا حجة فيه على العمل على وجه آخر، بل هو مفتقر إلى دليل يتبعه في إعمال ذلك الوجه، وذلك كله مبين في باب الأوامر والنواهي من هذا الكتاب، لكن على وجه آخر؛ فإذًا ليس ما انتحل هذا المخالف العمل به من قبيل المسكوت عنه، ولا من قبيل ما أصله المصالح المرسلة؛ فلم يبق إذًا أن يكون إلا من2 قبيل المعارض لما مضى عليه عمل الأقدمين، وكفى بذلك مزلة قدم، وبالله التوفيق.
فصل
واعلم أن المخالفة لعمل الأولين فيما تقدم ليست على رتبة واحدة بل فيها ما هو3 خفيف، ومنها ما هو شديد، وتفصيل القول في ذلك يستدعي طولا؛ فلنَكِلْهُ إلى نظر المجتهدين، ولكن المخالف على ضربين:
أحدهما:
أن يكون من أهل الاجتهاد؛ فلا يخلو أن يبلغ في اجتهاده غاية الوسع4 أو لا، فإن كان كذلك؛ فلا حرج عليه وهو مأجور على كل حال، وإن لم يعط الاجتهاد حقه وقصر فيه؛ فهو آثم حسبما بينه أهل الأصول.
والثاني:
أن لا يكون من أهل الاجتهاد، وإنما أدخل نفسه فيه غلطا أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في "م" و"ط": "عملوا".
2 في "ط": "فلم يبق إلا أن يكون من...".
3 قال "ف": "لعله منها ما هو... إلخ" بدليل ما بعده، وهو ظاهر.
4 كما سبق في مسألة الوصال في الصيام من بعض الصحابة بعد ورود النهي عنه. "د".