الغالب، ولا وضعت له عقوبة معينة، بل جاء النهي فيه كما جاء الأمر في المطلوبات التي لا1 يكون الطبع خادمًا لها؛ إلا أن مرتكب هذا لما كان مخالفًا لوازع الطبع ومقتضى العادة، [زيادة]2 إلى ما فيه من انتهاك حرمة الشرع، أشبه بذلك المجاهر بالمعاصي، المعاند فيها، بل هو هو؛ فصار الأمر في حقه أعظم بسبب أنه لا يستدعي لنفسه حظًا عاجلًا، ولا يبقى لها في مجال العقلاء بل البهائم مرتبة، ولأجل ذلك جاء من الوعيد في الثلاثة: "الشيخ الزاني وأخويه"3 ما جاء، وكذلك فيمن قتل نفسه.
بخلاف العاصي بسبب شهوة عنّت، وطبع غلب، ناسيًا لمقتضى الأمر، ومغلقًا عنه باب العلم بمآل المعصية، ومقدار ما جنى بمخالفة الأمر، ولذلك قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة} الآية: [النساء: 17].
أما الذي ليس له داعٍ إليها، ولا باعث عليها؛ فهو في حكم المعاند المجاهر4، فصار هاتكًا لحرمة النهي والأمر مستهزئا بالخطاب؛ فكان الأمر فيه أشد، ولكن كل ما كان الباعث فيه على المخالفة الطبع جعل فيه في الغالب5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 إنما ينتظم المعنى على حذف "لا" كما يدل عليه سابق الكلام ولاحقه. "د".
2 ما بين المعقوفتين سقط من "د".
3 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، 1/ 102-103/ رقم 107" عن أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر".
4 في "ط": "بالمجاهرة".
5 ومن غير الغالب الغصب؛ فهو مما يقتضيه الطبع، ولم يجعل له حد مخصوص ولا عقوبة بدنية خاصة لمكان التحرز منه وسهولة تخليص المغصوب بالترافع للحاكم، والغاصب غالبًا يدعي الحق في المغصوب؛ فلم يبقَ إلا إثبات الحق لصاحبه بالترافع، وإنما ورد فيه الخبر ببيان من الجزاء الأخروي؛ كحديث: "من غصب قيد شبر طوقه من سبع أرضين"* وأمثاله، مع الزجر والأدب في الدنيا بما يراه الحاكم. "د".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين، 6/ 292/ رقم 3195، وكتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، 5/ 103/ رقم 2453"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، 3/ 1231-1232/ رقم 1612" بنحوه.