ويعين ذلك أيضًا أسباب التنزيل لمن استقرأها؛ فكان القرآن آتيًا1 بالغايات تنصيصًا عليها، من حيث كان الحال والوقت يقتضي ذلك، ومنبهًا بها على ما هو دائر2 بين الطرفين، حتى يكون العقل3 ينظر فيما بينهما بحسب ما دله دليل الشرع؛ فيميز بين المراتب بحسب القرب والبعد من أحد الطرفين؛ كي لا يسكن إلى حالة هي مظنة الخوف لقربها من الطرف المذموم، أو مظنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود، تربية حكيم خبير.
وقد روي في هذا4 المعنى [عن أبي بكر الصديق] في وصيته لعمر بن الخطاب عند موته حين قال له: "ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الأصل و"ف": "آت"، قال "ف": "قوله الأنسب: آتيًا بالنصب خبر كان الناقصة ونصب قوله: ومنبه، بعده عطفًا عليه، ويبعد من جهة المعنى جعل كأن حرفًا للتشبيه، ويدل لذلك ما يأتي عند قوله، وأيضًا؛ فمن حيث كان القرآن آتيًا بالطرفين... إلخ".
2 لا يقال: إنما يظهر ذلك إذا كانت الغايتان المذكورتان في الدليل الشرعي متعلقتين بخصلة واحدة، واقترن الأمر بها بالوعد العظيم، والنهي عن ضدها بالوعيد الشديد؛ فيكون لها طرف محمود، وطرف مذموم، وبينهما مراتب ينظر العقل في قربها وبعدها من الطرفين، وهذا غير مطرد في الأوامر والنواهي؛ لأنا نقول: بل الأمر كذلك لأنه بفرض أنه لم يرد في الخصلة الواحدة إلا الأمر؛ فالطرف الثاني المذموم وهو النهي وإن لم ينص عليه دليل خاص؛ فدليله هو نفس الأمر الذي يقتضي النهي عن ضده"، وكذا يقال في عكسه، على أن هذا ليس بلازم في معنى الطرفين هنا، بل المراد الطرف العام الذي يستوجب الرجاء بامتثال الأوامر التي فيها الوعد جملة، والطرف المقابل له وهو الطرف العام الذي يستوجب الخوف من غضب الله جملة، وإن كان ذلك في عدة خصال لا في خصلة واحدة ينظر بين طرفيها، وهذا المعنى الثاني هو المناسب؛ لما رواه في قصة أبي بكر، ولمساق الكلام الآتي إلى قوله: "فيزن المؤمن أوصافه المحمودة فيخاف ويرجو، ويزن أوصافه المذمومة فيخاف أيضًا ويرجو". "د". وفي "ط": "ومنبه بها على...".
3 في "ف": "الفعل"، وحشى عليه بقوله: "صوابه العقل، بقاف معجمة قبلها عين مهملة".
4 في "ط": "من هذا".