تعبدي، وإذا ثبت هذا؛ لم يكن لإهماله سبيل؛ فكل معنى يؤدي إلى عدم اعتبار مجرد الأمر والنهي لا سبيل إلى الرجوع إليه، فإذًا المعنى1 المفهوم للأمر والنهي إن كرّ عليه بالإهمال؛ فلا سبيل إليه، وإلا؛ فالحاصل الرجوع إلى الأمر والنهي دونه؛ فآل الأمر في القول باعتبار المصالح أنه لا سبيل إلى اعتبارها مع الأمر والنهي، وهو المطلوب.
ولا يقال: إن عدم الالتفات إلى المعاني إعراض عن مقاصد الشارع المعلومة؛ كما في قول2 القائل: لا يجوز الوضوء بالماء الذي بال فيه الإنسان، فإن كان قد بال في إناء ثم صبه في الماء؛ جاز الوضوء به.
لأنا نقول: هذا أيضًا معارض بما يضاده في الطرف الآخر في تتبع المعاني مع إلغاء الصيغ، كما قيل في قوله عليه الصلاة والسلام: "في أربعين شاةً شاةٌ"3: إن المعنى قيمة شاة؛ لأن المقصود سد الخلة، وذلك حاصل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: الحكمة المعقولة للأمر والنهي إذا كانت تعارضهما وتؤدي إلى إهمالهما وإبطال مقتضاهما؛ فلا سبيل للأخذ بهذه الحكمة والبناء عليها، وسيأتي تمثيله بالشاة في الزكاة، وإن كانت لا تعارضهما، فمن باب أولى أن العمل إنما هو بمقتضاهما؛ فالمآل أنهما المرجع ومبنى الأحكام دون المعنى المصلحي، حتى على اعتبار المصالح. "د".
2 قال الفقهاء: لا فرق بين أن يقع البول في الماء مباشرة أو في إناء ثم يصب فيه، خلافًا للظاهرية وقوفًا منهم عند حرفية الدليل في حديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يتوضأ منه"، أو: "يغتسل منه"، أو: "فيه"* على الروايات الثلاث، حتى فرقوا بين البول فيه والتغوط فيه؛ فحرموا الأول دون الثاني، قال النووي: "وهو أقبح ما نقل عنهم من الجمود على الظاهر"؛ فقولهم بهذا الفرق إعراض منهم عن مقاصد الشرع الظاهرة. "د".
3 أخرج البخاري في "صحيحة" "كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، 4/ 317/ رقم 1454" ضمن حديث طويل فيه: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* انظر لتخريجه "نصب الراية" "1/ 101، 112".