First Previous Next Last

"الخراج1 بالضمان"2، وسبب ذلك ما ذكر من أن النهي عن الانتفاع غير مقصود لنفسه، بل هو تابع للنهي عن الغصب، وإنما هو شبيه بالبيع وقت النداء، فإذا كان البيع مع التصريح بالنهي صحيحًا عند جماعة من العلماء لكونه غير مقصود في نفسه؛ فأولى أن يصح3 مع النهي الضمني.
وهذا البحث جارٍ في مسألة "ما لا يتم الواجب إلا به؛ هل هو واجب أم لا؟"، فإن قلنا: "غير واجب"؛ فلا إشكال، وإن قلنا: "واجب"؛ فليس وجوبه مقصودًا في نفسه، وكذلك مسألة "الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟"، و"النهي عن الشيء هل هو أمر بأحد أضداده"، فإن قلنا بذلك؛ فليس بمقصود لنفسه، فلا يكون للأمر والنهي حكم منحتم إلا عند فرضه بالقصد الأول، وليس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي: وقد دخل المغضوب في ضمان الغاصب من وقت الاستيلاء عليه. "د".
2 مضى تخريجه "ص204"، وهو صحيح، كتب "ف" هنا ما نصه: "الخراج غلة العابد والأمة، قال ابن الأثير -في تفسير الحديث-: يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدًا كان أو أمة أو ملكًا، وذلك أن يشتريه فيستغله زمانًا ثم يعثر على عيب قديم؛ فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن على البائع شيء، و"باء" الضمان متعلقة بمحذوف تقديره الخراج مستحق بالضمان؛ أي: بسببه" ا. هـ. ولأبي عبيد وغيره من أهل العلم ما يشبه هذا".
وقال "ماء": "أي غلة المشتري للمشتري، بسبب أنه في ضمانه، وذلك بأن يشتري شيئًا ويستغله زمانًا ثم يعثر -أي: يطلع منه- على عيب دلسه البائع ولم يطلع عليه؛ فله رده -أي الشيء المشترى- على البائع، والرجوع عليه بالثمن جميعه، وأن الغلة التي استغلها المشترى؛ فهي له لأنه كان في ضمانه، ولو هلك من ماله".
3 أي: البيع إذا فرض أنه لم ينه عنه صراحة، بل اكتفى باندراجه ضمن الأمر في قوله: {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]؛ فيكون شبيهه وهو النهي التبعي عن الاستيلاء على منافع المغصوب كذلك؛ أي: لا يرتب عليه حكم النهي؛ فلا يعتد بقيمة المنافع ولا تضمن، لأن النهي عنها حينئذ ليس أصليًا بل تبعي، وقد عرفنا أن التبعي حتى الصريح كما ورد في {وَذَرُوا الْبَيْع} [الجمعة: 9] لم يرتب عليه حكمه؛ فهذا أولى. "د".