حيث تعم الخلائق كلهم؛ فيندم المسيء أن لا يكون قد أحسن، والمحسن أن لا يكون قد ازداد إحسانًا.
فإن قيل: هذا إثبات للنقص في مراتب الكمال، وقد تقدم أن مراتب الكمال لا نقص فيها.
فالجواب: أنه ليس بإثبات نقص على الإطلاق، وإنما هو إثبات راجح وأرجح، وهذا موجود.
وقد ثبت أن الجنة مائة درجة1، ولا شك في تفاوتها2 في الأكملية والأرجحية، وقال الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُم} [البقرة: 253].
[وقال: {فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض} [الإسراء: 55]3.
ومعلوم أن لا نقص في مراتب النبوة؛ إلا أن المسارعة في الخيرات تقتضي المطالبة بأقصى المراتب بحسب الإمكان عادة، فلا يليق بصاحبها الاقتصار على مرتبة دون ما فوقها؛ فلذلك قد تستنقص النفوس الإقامة ببعض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، 6/ 11/ رقم 2790، وكتاب التوحيد، باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}، 13/ 404/ رقم 7423" ضمن حديث طويل عن أبي هريرة، فيه: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض...".
2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، 6/ 320/ رقم 3256"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يُرى الكوكب في السماء، 4/ 2177/ رقم 2831" عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم".
3 سقط من "ط".