First Previous Next Last

وأما الثاني؛ فجارٍ على إسقاط اعتبارها، وقد تقدم1 ما يدل على صحة ذلك الإسقاط، ومن الدليل أيضًا على صحة هذا المأخذ أشياء:
أحدها: ما جاء في القرآن من الآيات الدالة على أن المطلوب من العبد التعبد بإطلاق، وأن على الله ضمان الرزق، كان ذلك مع تعاطي الأسباب أو لا2؛ كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56-57].
[وقوله]3: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132].
فهذا واضح في أنه إذا تعارض حق الله وحق العباد؛ فالمقدم حق الله، فإن حقوق العباد مضمونة على الله تعالى، والرزق من أعظم حقوق العباد؛ فاقتضى الكلام أن من اشتغل4 بعبادة الله كفاه الله مؤنة الرزق، وإذا ثبت هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في المسألة السابعة من الأسباب، وأن ذلك لصاحب الحال الذي يغلب عليه أن الأسباب والمسببات بيد الله، وأنه لا أثر مطلقا لهذه الأسباب، ويغفل عن العادة الموضوعة في الأسباب. "د".
2 تقدم في المسألة الثانية من الأسباب أن قوله تعالى: {لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} [طه: 132]، وأمثاله مما ضمن فيه الرزق ليس راجعًا إلى التسبب، بل إلى الرزق المتسبب فيه، ولو كان المراد التسبب؛ لما طلب المكلف بتكسب على حال، ولو بجعل اللقمة في الفم أو ازدراع الحب... إلخ، لكن ذلك باطل باتفاق، وقوله: "فهذا واضح... إلخ" هو من الخفاء بمكان؛ لأنه أين التعارض في الآيتين، وأين الترجيح بعد ما قال سابقا: إن ضمان الرزق لا شأن له بالتسبب كما عرفت؟ وكما سيأتي لنا في الدليل الثالث في آية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ} [طه: 132].
3 سقط من "ط".
4 يعني: دون أن يدخل في الأسباب الموضوعة لذلك، لكن أين هذا من الآيات ولم يكن في الآيات تعليق؟ ولو ضمنيًّا يقتضي أن تترك الأسباب رأسًا؛ فيأتي الرزق بمجرد الاشتغال بالعبادة والواقع والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أنه لا رابطة بين الرزق والإيمان، فضلًا عن سائر الطاعات، =