First Previous Next Last

بعده وهي عمدة ما حافظت عليه الشريعة.
وأيضًا؛ فإن حقوق الله تعالى ليست على وزان واحد في الطلب؛ فمنها ما هو مطلوب حتما كالقواعد الخمس، وسائر الضروريات المراعاة في كل ملة، ومنها ما ليس بحتم كالمندوبات؛ فكيف يقال: إن المندوبات مقدمة على غيرها من حقوق العباد، وإن كانت واجبة؟ هذا [مما] لا يستقيم في النظر.
وأيضًا؛ فالأدلة المعارضة لما تقدم أكثر؛ كقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].
وقوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}1 الآية [البقرة: 197].
وقد كان عليه الصلاة والسلام يستعد الأسباب لمعاشه وسائر أعماله من جهاد وغيره، ويعمل بمثل ذلك أصحابه، والسنة الجارية في الخلق الجريان على العادات، وما تقدم لا يقتضيه2؛ فلا بد من صحة أحدهما، وإن صح بطل الآخر، وليس ما دللتم عليه بأولى مما دللنا عليه، والترجيح من غير دليل تحكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قد يقال: إن هذه الآية على تفسيرها بالنهي عما يؤدي بالنفس إلى هلاكها لا تصلح دليلا هنا؛ لأن هذا ليس من حقوق العباد، بل من حق الله تعالى؛ كما تقدم للمؤلف أن حفظ النفس من حق الله تعالى، وكما قال هنا: "وسائر الضروريات المراعاة... إلخ"؛ فلا يجوز للشخص أن يسلم نفسه للهلاك، وكذا يقال في آية: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ}؛ فإنها وإن كان ظاهرها طلب الأخذ بأسباب حفظ النفس من الأعداء؛ فهي في الحقيقة طلب إعداد آلة الجهاد في سبيل الله؛ فهو واجب مكمل لواجب الجهاد الذي هو من حق الله تعالى قطعا. "د".
2 يريد: بل يقتضي خلافه، أما مجرد كونه لا يقتضيه؛ فلا يقتضي أنه ينافيه ويعارضه حتى يطلب التخلص منه. "د".