وأما الثاني فذكره الزمخشري، فقال: أما حرف يعطي الكلام فضل توكيد؛ تقول: "زيد ذاهب"؛ فإذا قصدت أنه لا محالة ذاهب قلت: "أما زيد فذاهب"1؛ وزعم أن ذلك مستخرج من كلام سيبويه2.
وهي نائبة عن أداة شرط وجملته؛ ولهذا تؤول: "بمهما يكن من شيء"3، ولا بد من فاء تالية لتاليها4، إلا إن دخلت على قول قد طرح استغناء عنه بالمقول؛ فيجب حذفها معه5 كقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ}6؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 إيضاح التوكيد: أن "أما" قائمة مقام "مهما يكن من شيء" أي مهما يوجد شيء فزيد ذاهب، فقد علق الذهاب على جود شيء ما، ووجود شيء ما محقق؛ لأن الدنيا لا تخلو من وجود شيء، والمعلق على المحقق محقق، وإذًا، لا بد من المعلق عليه وهو ذهاب زيد.
وهذا الإيضاح، يبين أن "أما" للتوكيد، وأنها في معنى الشرط وقائمة مقام اسم الشرط، بحيث يصح حذف "أما"، ووضع مهما يكن من شيء موضعها. ولا يفسد المعنى ولا التركيب. التصريح: 2/ 261.
2 فإن سيبويه فسر "أما" بمهما يكن من شيء. ويقال في إعراب هذا التركيب: مهما: اسم شرط جازم مبتدأ. يكن: مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط. من شيء: "من" زائدة، وشيء: فعل يكن، على اعتبارها تامة؛ واسمها على اعتبارها ناقصة، وخبرها محذوف؛ أي: موجودا. وجواب الشرط: يكون بعد هذه الجملة مقترنا بالفاء؛ والجملة: خبر مهما.
كتاب سيبويه: 4/ 235.
3 ويقال في إعرابها:"أما" نائبة عن مهما يكن من شيء، ولا تعرب اسم شرط، أو فعل شرط، ولا تؤدي معناهما؛ لأنها حرف، والحرف لا يؤدي معنى اسم أو فعل.
4 هذه الفاء لازمة لربط الجواب بها، ولتكون كالقرينة عليها، لخفاء شرطيتها؛ لأن شرطيتها بطريق النيابة. وأصل هذه الفاء أن تكون في صدر الجواب؛ كما هو الشأن، مع غير "أما" من أدوات الشرط؛ ولكنها أخرت؛ لقبح وجودها عقب "أما" لفظا؛ أو لأنها تشبه العاطفة صورة، فيكون في الكلام عاطف بلا معطوف عليه. وتالي تاليها: هو الجواب؛ لأن تاليها مباشرة هو الشرط.
التصريح: 2/ 262.
5 وذلك للاستغناء عنهما بالمقول. وقيل إن حذفها -حينئذ- كثير لا واجب، فيجوز إبقاؤها على قلة مع حذف القول.
6 سورة آل عمران، الآية: 106.
موطن الشاهد: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ}.
وجه الاستشهاد: حذف القول استغناء عنه بالمقول، فتبعته الفاء بالحذف؛ فجملة "أكفرتم": مفعول القول المحذوف؛ والقول المحذوف ومفعوله: جواب "أما"؛ والتقدير: واضح في المتن.