| وترى الطير على آثارنا |
رَأْي عين ثقة أن ستُمار1 |
وقول أبي تمام:
| وقد ظُلِّلت عُقْبان أعلامه ضحى |
بعقبان طير في الدماء نواهل |
| أقامت مع الرايات حتى كأنها |
من الجيش إلا أنها لم تقاتل2 |
فإن الأفوه أفاد بقوله: "رأي عين" قربها؛ لأنها إذا بعدت تُخُيلت ولم تُرَ، وإنما يكون قربها توقعا للفريسة، وهذا يؤكد المعنى المقصود، ثم قال: "ثقة أن ستمار" فجعلها واثقة بالمِيرة، وأما أبو تمام فلم يلم بشيء من ذلك3 لكن زاد على الأفوه بقوله: "إلا أنها لم تقاتل"، ثم بقوله: "في الدماء نواهل"، ثم بإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، وبذلك يتم حسن قوله: "إلا أنها لم تقاتل"؛ وهذه الزيادات حسنت قوله، وإن كان قد ترك بعض ما أتى به الأفوه.
وهذه الأنواع4 ونحوها أكثرها مقبولة، ومنها ما أخرجه حسن التصرف من قبيل الأخذ والاتباع، إلى حيز الاختراع والابتداع، وكلما كان أشد خفاء كان أقرب إلى القبول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو لصلاءة بن عمرو المعروف بالأفوه الأودي، وقوله: "ثقة" حال, أي: واثقة أو مفعول لأجله، وقوله: "ستمار" بمعنى ستطعم؛ يعني أنها تتبعهم عند خروجهم للحرب واثقة بذلك.
2 هما من قصيدة له يمدح فيها المعتصم ويذكر وقعة الأفشين ببابك الخرمي. وعقبان الأعلام: جمع عقاب وهو الراية الضخمة من إضافة العام للخاص؛ وعقبان الطير: جمع عقاب وهو طائر معروف؛ وفي اللفظين جناس تام؛ والنواهل: جمع ناهلة وهو اسم فاعل من "نهل" بمعنى روى.
3 يَرِد على هذا أن قوله: "أقامت مع الرايات" يفيد أيضا قربها منهم؛ فالحق أن الذي لم يلم به هو قوله: "ثقة أن ستمار".
4 يعني الأنواع الخمسة لغير الظاهر؛ ونحوها هو غيرها مما يندرج فيه؛ والحق أنها مقبولة من جهة الأخذ؛ فإن اعتراها رد كان من جهة أخرى غيره.