هذا كله1 إذا عُلم أن الثاني أخذ من الأول، وهذا لا يُعلَم إلا بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم قوله، أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه؛ لجواز أن يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر، أي: مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ والسرقة، كما يُحكى عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه:
| مفيد ومِتْلاف إذا ما أتيتَهُ |
تهلّل واهتز اهتزاز المهند2 |
فقيل له: أين يذهب بك؟ هذا للحطيئة!3 فقال: "الآن علمت أني شاعر؛ إذ وافقتُه على قوله ولم أسمعه".
ولهذا لا ينبغي لأحد بَتّ الحكم على شاعر بالسرقة ما لم يعلم الحال، وإلا4 فالذي ينبغي أن يقال: قال فلان كذا، وقد سبقه إليه فلان فقال كذا؛ فيغتنم به فضيلة الصدق، ويسلم من دعوى العلم بالغيب ونسبة النقص إلى الغير.
ما يتصل بالسرقات الشعرية:
ومما يتصل بهذا الفن القول في الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحل، والتلميح.
أما الاقتباس:
فهو أن يُضمَّن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه5؛ كقول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يشير إلى ما ذكر في الأخذ بقسميه من ادعاء السبق، وأخذ الثاني من الأول، وكونه مقبولا أو مردودا.
2 هو للرماح بن أبرد المعروف بابن ميادة. والمفيد: الذي يعطي أمواله للناس، والمتلاف: الذي يتلف أمواله على نفسه، وقوله "تهلل": أشرق وجهه، والمهند: السيف المصنوع من حديد الهند.
3 هو من قصيدة له في مدح بغيض بن عامر بن شماس, مطلعها:
| وآثرت إدلاجي على ليل حرة |
هضيم الحشا حسانة المتجرد |
4 أي: وإن لم يعلم الحال.
5 بأن يكون خاليا من الإشعار بذلك، والإشعار به كأن يقال: قال الله تعالى كذا ونحوه.