First Previous Next Last

كنا معا أمس في بؤس نكابده والعين والقلب منا في قذًى وأذى
والآن أقبلت الدنيا عليك بما تهوى فلا تنسني إن الكرام إذا1
أشار إلى بيت أبي تمام2، ولا بد من تقدير الباقي منه؛ لأن المعنى لا يتم بدونه. وقد عُلم بهذا أن تضمين ما دون البيت ضربان3.
وأحسن وجوه التضمين: أن يزيد المضمن في الفرع عليه في الأصل بنكتة؛ كالتورية، والتشبيه في قول صاحب التحبير:
إذا الوهم أبدى لي لَماها وثغرها تذكرت ما بين العُذَيب وبارق
ويُذكرني من قدها ومدامعي مَجَرّ عوالينا ومجرى السوابق4
المصراعان الأخيران لأبي الطيب5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هما من قول بعض التجار للأمير بدر الدين بيلبك الخازندار، وكان قد أحضره إلى القاهرة فباعه فيها، فارتفع أمره حتى صار أميرا، وقوله: "نكابده" بمعنى "نقاسيه"، والقذى: يرجع إلى العين، والأذى: إلى القلب، على اللف والنشر المرتب.
2 هو قوله:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
3 ضرب لا يحتاج إلى تقدير باقي البيت؛ لأن المعنى لا يتم من غيره، كما في قول الحريري، وضرب يحتاج إلى تقديره؛ لأن المعنى لا يتم إلا به، كما في قول ذلك التاجر.
4 هما لابن أبي الإصبع عبد العظيم بن عبد الواحد المصري صاحب "تحرير التحبير" في البديع، والوهم: الخيال، واللمى: سمرة الشفتين، والثغر: مقدم الأسنان، والعذيب وبارق: موضعان، ولكنه أراد بالعذيب: الشفة, تصغير عذب، وبالبارق: الثغر؛ لأنه يشبه البرق، وبما بينهما الريق، على سبيل التورية، وفي ذلك لف ونشر مرتب. وفاعل "يذكرني" يعود إلى الوهم، والقد: القامة، والتقدير: ويذكرني من تبختر قدها وجريان مدامعي؛ لأن هذا هو الذي يشبه مجرى العوالي أي: جرها ومجرى السوابق أي: جريها، وهو تشبيه ضمني، وفي هذا لف ونشر مرتب أيضا، والعوالي: الرماح، والسوابق: الخيل.
5 يعني قوله:
تذكرت ما بين العذيب وبارق مجر عوالينا ومجرى السوابق
والشاهد في أن أبا الطيب يريد بالعذيب وبارق موضعين، فاراد بهما ابن أبي الإصبع ما سبق على سبيل التورية، ثم زاد عليه أيضا تشبيه قدها ومدامعه بمجر العوالي, ومجرى السوابق.