First Previous Next Last

وكان من عادته في الحديث -فيما زعم بعض من يتحدث عنه- أن يميل بشفتيه ويشير بيديه، وقد كان هذا موضع تندر من بعض الكتاب في ديوان آل بويه في بغداد بأبي الفتح، فقد أبصره وهو يتحدث ويفعل ما تعوده مما ذكرت، فأتأر1 فيه الكاتب النظر، فسأله أبو الفتح في ذلك فقال: "شبهت مولاي الشيخ وهو يتحدث ويقول ببوزه كذا وكذا بقرد رأيته اليوم عند صعودي إلى دار المملكة وهو على شاطئ دجلة يفعل مثل ما يفعل مولاي الشيخ. فامتعض أبو الفتح وقال: ما هذا القول يا أبا الحسين، أعزك الله! ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي، أو أمجن فتمجن بي! فلما رآه أبو الحسين قد حرد واستشاط وغضب قال: المعذرة أيها الشيخ إليك وإلى الله تعالى عن أن أشبهك بالقرد، وإنما شبهت القرد بك. فضحك أبو الفتح وقال: ما أحسن ما اعتذرت! وعلم أبو الفتح أنها نادرة تشيع، فكان يتحدث بها هو دائمًا"2.
ويبدو أن مرد هذه العادة عند ابن جني -إذا صح إسنادها إليه- ما في خلقه وسجيته من توكيد المعنى في نفس السامع وتسديده، وهذا أمر باد في كتبه. فهو يميل دائمًا إلى الإطناب والتكرار والتوسل إلى الإقناع بكل ما في وسعه. ولا ريب أن الإشارة باليد أو الفم من هذه الوسائل النافعة. وكذلك سائر أحوال المتكلم من طلاقة وجه، أو انقباضه وما جرى هذا المجرى، كل ذلك يوضح المعنى ويبين عنه. وقد أدرك هذا ابن جني وأفاض فيه في الخصائص، وقال بعد كلام في هذا المعنى: "وعلى ذلك قالوا: رب إشارة أبلغ من عبارة"3. وقد يجوز أن ابن جني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يقال أتأر إليه النظر؛ أحده.
2 ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة أبي الفتح.
3 انظر الخصائص 1/ 248.