كان في لسانه لكنه لمكانه من العجمة من جهة أبيه، فكان يستعين على إيضاح ما يريد الإشارة.
وكان ابن جني رجل جد وامرأ صدق في قوله وفعله. فلم يؤثر عنه ما أثر عن أمثاله من رجال الأدب في عصره من اللهو والشرب والمجون وما جرى في هذا المذهب. وكان عف السان والقلم، يجتنب الألفاظ المندية للجبين، والعور من الكلم في تصنيفاته. وقد يكون مرد هذا إلى أنه اشتغل بالتعليم والتدريس، ولم يكن ممن همه وسدمه منادمة الملوك وإرضاؤهم كأبي الفرج الأصبهاني وأضرابه. وانظر إلى قوله لأبي الحسن في الحديث السابق: "ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي، أو أمجن فتمجن بي!". ولقد بلغ من أمره أن يغير في الشعور ما يستهجن ويقبح ذكره، في بعض كتبه ينشد البيت:
والفعل محول عن الأير، وقد نعمد ذلك لينجو من معرة هذا اللفظ، ولو تهيأ له أن ينجو من الاست لفعل.
أجندل ما تقول بنو نمير
إذا ما الفعل في است أبيك غابا
من أخد عنه من العلماء والأعراب
قلت فيما سلف: إن ابن جني أخذ النحو في شبيبته عن أحمد بن محمد الموصلي. وقد أخذ فيما بعد عن أبي علي فأكثر الأخذ عنه. وهو الذي أحسن تخريجه ونهج له البحث، وفتق له سبل الاستقصاء والتوسع في التفكير. وسيأتي مزيد لهذا.
وقد أخذ عن كثير من رواه اللغة والأدب. ومن هؤلاء أبو بكر محمد بن الحسن المعروف بابن مقسم، وهو من القراء، وكان راوية ثعلب. ووفاته