الدولة: ما رأيك في صحبتنا؟ فقال له أبو علي: أنا من رجال الدعاء، لا من رجال اللقاء. ولولا أن أبا علي من عادته أن يصحب عضد الدولة في مثل هذا الوجه لما عرض عليه هذا العرض. ويبدو أن اعتذار أبي علي عن صحبة عضد الدولة لأنه كان يقصد حرب رجل من أسرة آل بويه، وهو لا يبغي أن يحمل أحد منهم حقدًا عليه وضغنا نحوه.
وتجمع الروايات على أن أبا الفتح صحب أبا علي بعد سنة 337 ولازمه في السفر والحضر، وأخذ عنه، وصنف كتبه في حياة أستاذه، فاستجادها ووقعت عنده موقع القبول. وهو كثير الاعتزاز بأبي علي، كثير الرواية عنه في كتبه. وهو يثني عليه الثناء الجم. ويقول في الخصائص 1/ 209: "وقلت مرة لأبي بكر أحمد بن علي الرازي -رحمه الله- وقد أفضنا في ذكر أبي علي ونبل قدره، ونباوة محله: أحسب أن أبا علي قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجيمع أصحابنا. فأصغى أبو بكر إليه، ولم يتبشع هذا القول عليه"، وهو يريد بالعلم علم العربية. ويقول أيضا في الخصائص 1/ 277 في أبي علي: "ولله هو، وعليه رحمته! فما كان أقوى قياسه، وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه! فكأنه إنما كان مخلوقًا له. وكيف لا يكون كذلك وقد أقام على هذه الطريقة: مع جلة أصحابه، وأعيان شيوخها سبعين سنة، زائحة علله، ساقطة عنه كلفه، وجعله همه وسدمه. لا يعتاقه عنه ولد، ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلبًا، ولا يخدم به رئيسًا إلا بأخرة، وقد حط عنه أثقاله، وألقى عصا ترحاله".
ويشبه ابن جني في نقله في كتبه علم أبي علي، سيبويه في نقله علم الخليل، على أن ابن جني كثيرًا ما يذكر أن أستاذه كان يسأله في بعض المسائل، ويرجع إلى