First Previous Next Last

إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه وما يأخذ به نفسه من الكبرياء.
وكان لابن جني هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه أو يحط منه. وكان يسوءه إطناب أبي علي في ذمه. واتفق أن قال أبو علي يوما: اذكروا لنا بيتا من الشعر نبحث فيه. فبدأ ابن جني وأنشد:
حلت دون المزار فاليوم لو زر ت لحال النحول دون العناق
فاستحسنه أبو علي واستعاده. وقال: لمن هذا البيت فإنه غريب المعنى؟ فقال ابن جني: للذي يقول:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فقال: والله هذا أحسن! بديع جدا! فلمن هما؟ قال: للذي يقول:
أمضى إرادته فسوف له قد واستقرب الأقصى فثم له هنا
فكثر إعجاب أبي علي، واستغرب معناه، وقال: لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي يقول:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
فقال: وهذا أحسن! والله لقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ فقال: هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله. وما علينا من القشور إذا استقام اللب! قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي. قلت: نعم".
ومن دلائل عناية ابن جني بالمتنبي أنه أخذ شيئًا من أخباره عن علي بن حمزة البصري، لأنه المتنبي لما ورد بغداد نزل عليه وكان ضيفه إلى أن رحل عنها. كما ذكره ياقوت في ترجمة علي بن حمزة.