جلالته والثناء عليه:
بلغ أبو الفتح في علوم العربية من الجلالة والخطر ما لم يبلغه إلا القليل. وقد سلف لك قول المتنبي فيه، وقد كان المتنبي ذا قدم مكينة وبصر نافذ وإحاطة تامة بالعربية. وقد أصبح ابن جني في مجرى القرون بعده مضرب المثل في معرفة النحو والتبريز فيه. ويقول العماد في حديثه عن الحسن بن صافي المعروف بملك النحاة: "وكان يقول1: هل سيبويه إلا من رعيتي، ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي"2. ويقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في الشيخ عبد الكريم سلمان3: "وجعلته مني مكان النحو من ابن جني". ويقول ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار: "لم ير مثله في توجيه المعاني، وشد بيوت القصائد الوثيقة المباني". ويقول ابن ماكولا: "وكان نحويًا حاذقًا مجودًا". ويقول الثعالبي في اليتيمة4: "هو القطب في لسان العرب، وإليه انتهت الرياسة في الأدب".
وقد يبدو للباحث أن ابن جني لم يبلغ في حياته من المكانة العلمية ما يستحقه، ولم يدرك ما أدركه بعد من النبالة ونباهة الذكر. وقد يطل له هذا المعنى من قول المتنبي فيه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس. وقد يطيب له أن يحتج لهذا الرأي بأنه لا يرجع إلى عراقة أصل، ولا يئول إلى شرف محتد، وبأن العصر كان مشحونًا بأفاضل العلماء، وجلة الفهماء، فكان يجري في مضمارهم بمقدار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ترجمة ملك النحاة في معجم الأدباء والبغية.
2 يريد غاشية فرسه. وغاشية السرج: غطاؤه.
3 تاريخ الأستاذ الإمام 1/ 278 في التعليق.
4 ج3 ص77 من طبعة الشام.