ويبدو فضله وعلمه في كتبه ومباحثه التي توفر عليها، وأحسن عرضها. وهو يعد بحق فيلسوف العربية وباقرها.
وعلى مباحث ابن جني طابع الاستقصاء والغوص في التفاصيل، والتعمق في التحليل، واستنباط المبادئ والأصول من الجزئيات. وهو في هذا يشبه ابن الرومي في الشعر. وكأنما للجنس الرومي الذي ينتميان إليه أثر في هذا.
ومن مباحثه التي اهتدى لها، وسبق بها الاشتقاق الأكبر، وإن كان استمد فكرته من أستاذه أبي علي. وهو يقول في الخصائص في الباب الذي كسره على هذا المبحث: "هذا موضع لم يسمه أحد من أصحابنا؛ غير أن أبا علي -رحمه الله- كان يستعين به، ويخلد إليه، مع إعواز الاشتقاق الأصغر؛ لكنه -مع هذا- لم يسمه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة، ويستروح إليه. ويتعلل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن".
وابن جني -مع حرصه على اتباع من سبقه وتبجيله لهم- لا يبالي أن يخالفهم إذا تهدى لرأي لم يقولوا به، واستوى له دليله، واستقرب عنده حجته. ومن ذلك ما رآه في مسألة "هذا جحر1 ضب خرب" وهو رأي خالف به السلف. وقد سن للباحث أن يذهب إلى ما يهتدي إليه بعد أن يمعن في البحث ويستقصى النظر. وهو يقول: "إلا أنا2 -مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه- لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها، وتقدم نظرها، وتتالت أواخر على أوائل، وأعجازًا على كلاكل، والقوم الذين لا نشك في أن الله -سبحانه وتقدست أسماؤه- قد هداهم لهذا العلم الكريم، وأراهم وجه الحكمة في الترجيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الخصائص 1/ 193.
2 الخصائص 1/ 191.