هل كان شعوبيًّا:
أوردت في الكلام على نسب ابن جني في صدر هذه المقدمة شعرًا له يذكر فيه انتسابه للروم، وذلك إذ يقول:
وقد يطيب لبعض الناظرين في هذا أن يستنبطوا منه شعوبية ابن جني، وتفضيل بني الأصفر على العرب. وعندي أن هذا أبعد شيء عن ابن جني، وهو قد نصب نفسه مدرها عن العرب يذود عن مجدها، ومقولا يبين عن حكمتها وسداد لغتها، ونبالة أحوالها وعادها. ألا تراه يقول في الخصائص 1/ 52: "ألا ترى الجاهلية الجهلاء كانت تحصن فروج مفارشها. وإذا شك الرجل منهم في بعض ولده لم يلحقه به، خلقا قادت إليه الآنفة والطبيعة، ولم يقتضه نص ولا شريعة. وكذلك قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ}، قد كان هذا من أظهر شيء معهم، وأكثره في استعمالهم؛ أعني حفظهم للجار، ومدافعتهم عن الذمار. فكأن الشريعة إنما وردت فيما هذه حاله، بما كان معلوما معمولا به؛ حتى إنه ولم ترد بإيجابه، لما أخل ذلك بحالة؛ لاستمرار الكافة على فعاله". ويقول في أعقاب الحديث عما أهملته العرب من الألفاظ والموازين، وعن الأسباب التي حدت العرب على ذلك: "فإن قلت1: ومن أين يعلم أن
فإن أصبح بلا نسب
فعلمي في الورى نسبي
على أني أءول إلى
قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا
أرم الدهر ذو الخطب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الخصائص 1/ 73.