العرب قد راعت هذا الأمر واستشفته، وعنيت بأحواله وتتبعته، حتى تحامت هذه المواضع التحامي الذي نسبته إليها، وزعمته مراد لها؟ وما أنكرت أن يكون القوم أجفى طباعا، وأيبس طينا، من أن يصلوا من النظر إلى هذا القدر اللطيف الدقيق، الذي لا يصح لذي الرقة والدقة منا أن يتصوره إلا بعد أن توضح له أنحاؤه، بل أن تشرح له أعضاؤه؟! قيل له: هيهات! ما أبعدك عن تصور أحوالهم، وبعد أغراضهم، ولطف أسرارهم!".
فمعاذ الله أن يرمى ابن جني بالشعوبية أو يزن بها، وإنما كان همه وصدمه أن يجلو عن نفسه ضعة الموالي، بشرف العلم الذي قام له مقام النسب الصميم. ثم ذكر أن الجيل الذي ينتسب إليه -وهم الروم- قد كان منهم الملوك والقياصرة. وليس في هذا تفضيل للروم على العرب. وحسبه في الاعتراف بفضل العرب وفوقهم أن يقدم أنه عديم النسب إن لم يكن في عداد العرب.
وأين هذا من ابن الرومي إذ يقول:
| قد تحسن الروم شعرا |
ما أحسنته عريب |
| يا منكر المجد فيهم |
قد كان منهم صهيب |
وإذ يقول:
| ونحن بني اليونان قوم لنا حجا |
ومجد وعيدان صلاب المعاجم |
| وما تتراءى في المرايا وجوهنا |
بلى في صفاح المرهفات الصوارم |
فترى ابن الرومي يفضل الروم على العرب في أظهر مزية لهم، وهو الشعر والبيان. ثم تراه يبادر بالفخر باليونان، ويذكرهم بالحجا والمجد وصلابة العود، كأنما يعرض بالعرب؛ وأين الثرى من الثريا!