ومما يؤنس باعتزاله أنه في "باب في الحكم يقف بين الحكمين" من الخصائص يكرر عبارة "المنزلة بين المنزلتين". فهو يقول عن ثبات الهاء في "يا مرحباه": "فثبات الهاء في "مرحباه" ليس على حد الوقف، ولا على حد الوصل. أما الوصل فيؤذن بأنها ساكنة. وأما الوصل فيؤذن بحذفها أصلا: يا مرحبا بحمار ناجية. فثباتها إذًا في الوصل متحركة منزلة بين المنزلتين.
ومما يؤنس بهذا أيضًا أنه يقول في خطبة الخصائص: "الحمد لله الواحد العدل القديم". وكان هجيري المعتزلة القول بالعد والتوحيد، وفي المقريزي1: "المعتزلة الغلاة في نفي الصفات الإلهية، القائلون بالعدل والتوحيد". ويقول الزمخشري في خطبة الكشاف: "ولقد رأيت إخواننا في الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية" وهو يعني المعتزلة، ويقول بعيد هذا: "فأبوا إلا المراجعة والاستشفاع بعظماء الدين وعلماء العدل والتوحيد". ويقول السيد الشريف في كنايته على هذا الموطن من الكشاف: "والمعتزلة سموا أنفسهم أهل العدل لأنهم أوجبوا على الله تعالى ما هو عدل عندهم: من ثواب المطيع وعقاب العاصي وتيسير أسباب الطاعات وزواجر المعاصي ورعاية ما هو الأصلح للعباد، ولم يجوزوا شيئًا مما يعد ظلما، وأهل التوحيد إذ لم يثبتوا له تعالى صفات قديمة زائدة على ذاته لاستلزامه تعدد القدماء المنافي للتوحيد". وكان الصاحب بن عباد معتزليًا يذهب مذهب أهل العدل، وقد تظرف بهذا في الحب والنسيب إذ يقول:
وانظر ترجمة الصاحب في نزهة الألباء.
تعرفت بالعدل في مذهبي
ودان بحسن جدالي العراق
فكلفت في الحب ما لم أطق
فقلت بتكليف ما لا يطاق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الخطط 4/ 164 طبعة المليجي.