الوفاق للبغداديين أن يكون ابن جني بغداديًّا؛ فإن هذه مسألة ترجع إلى السماع، وقد صح عنده هذا، ولكنه باق على أصول البصريين، ولا يرضى لنفسه أن يكون بغداديًا، فهو كثير النيل منهم والتصريح بخلافهم.
ابن جني بين النحو والصرف:
كان ابن جني إماما في النحو والصرف، وهو على إمامته فيهما في النحو أمثل منه في الصرف، كما يذكره الكاتبون لترجمته، وإن كان لا يعرف إلا بالنحوي، فالنحو -بالمعنى العام- ينتظم الصرف. ومرد نبوغه في الصرف وتفوقه فيه أن عجزه أمام أبي علي كان في مسألة صرفية؛ كما سبق إيراده، فكان جده في الصرف أكثر وأبلغ من جده في النحو.
وقد يؤنس بتخلفه في النحو القصة التي يرويها صاحب نزهة الألباء في ترجمة علي بن عيسى الربعي. وها هي ذي: "اجتمع الربعي وابن جني يمشيان في موضع. فاجتاز على باب خربة فرأى فيها كلبا -أي الربعي وكان مغري بقتل الكلاب- فقال لابن جني: قف على الباب، ودخل. فلما رآه الكلب يريد أن يقتله هرب وخرج، ولم يقدر ابن جني على منعه. فقال له الربعي: ويلك يابن جني! مدبر في النحو، ومدبر في قتل الكلاب!".
ويذكر ابن عقيل في شرحه للألفية في مبحث الابتداء أن أبا الفتح سأله ولده عن إعراب بيت أبي نواس:
فارتبك في إعرابه.
غير مأسوف على زمن
ينقضي بالهم والحزن