ماذا يريد بقوله: "بما وكأنه"، فقال له الشاعر1: إن "ما" سبب التشبيه، لأن القائل إذا قال لآخر: بم تشبه هذا؟ قال له المحبب: كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم. فجاء ابن فورجه في كتابه "الفتح على أبي الفتح" وهزئ بهذا التفسير، وساق حكاية للمبرد وأبي حنيفة الدينوري في مجلس بعض الأمراء، سئل المبرد فيه عن كلمة من اللغة يجهلها، فاخترع لها تفسيرا، وارتجل شاهدا لوقته على ما يقول، خشية أن يتهم بالجهل في مجلس أمير لم يكن قد رآه وإنما سمع به، فرد عليه أبو حنيفة وكشف عن أمره، ثم قال ابن فورجه: "وأنا أحلف بالله العلي إن كان أبو الطيب قط سئل عن هذا البيت فأجاب هذا الجواب الذي حكاه ابن جني وإن كان إلا متزبدًا مبطلا فيما يدعيه -عفا الله عنه وغفر له، فالجهل والإقرار به أحسن من هذا"2 ومن الجلي أن هذا إسراف في الإنكار على أبي الفتح بغير سند إلا استبعاد المعنى الذي فسر به البيت، وهو احتجاج واه لا يقوم على التمحيص والنقد. ولقد عاشر ابن جني أبا الطيب دهرا طويلا، وعني بشرح الديوان، وكان يسأله صاحبه عن معانيه. فإن كان في التفسير ضعف عند ابن فورجه فليس من البعيد أن يقع فيه أبو الطيب، وإنما يرد ما يروى عن أبي الطيب بأن ينكر أبو الطيب الرواية وينتقل منها. ومن المقرر عندهم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وإنما حمل ابن فورجه على أن يسيء القول في أبي الفتح حجاب المعاصرة والمنافسة، وذلك حجاب كثيف يستر الحسنات، ويبرز السيئات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر شرح الواحدي للديوان 23.
2 انظر ترجمة أبي حنيفة الدينوري في معجم الأدباء 3/ 31 وما بعدها.