أنهك عن هذا، وتوعده، فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال: يا محمد، بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا. فأنزل الله {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ}1 [العلق: 17]. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بخناقه وهزه، وهو يقول له: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34، 35] فقال عدو الله: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا، وإني لأعز من مشى بين جبليها2.
ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار، بل ازداد شقاوة فيما بعد. أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، زعم ليطأ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحةً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا"3.
كانت هذه الاعتداءات بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع ما لشخصيته الفذة من وقار وجلال في نفوس العامة والخاصة، ومع ما له من منعة أبي طالب أعظم رجل محترم في مكة، أما بالنسبة إلى المسلمين -ولا سيما الضعفاء منهم- فإن الإجراءات كانت أقسى من ذلك وأمر، ففي نفس الوقت قامت كل قبيلة تعذب من ذان منها بالإسلام أنواعا من التعذيب، ومن لم يكن له قبيلة فأجرت عليهم الأوباش والسادات ألوانا من الاضطهاد، يفزع من ذكرها قلب الحليم.
كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال، والجاه، وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به4.
وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته5.
ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه منعته الطعام والشراب، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية6.
وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلًا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، حتى كان الحبل يؤثر في عنقه، وكان أمية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نفس المصدر 30/ 208.
2 نفس المصدر 29/ 312.
3 رواه مسلم في صحيحه.
4 ابن هشام 1/ 320.
5 رحمة للعالمين 1/ 57.
6 نفس المصدر 1/ 58، وتلقيح فهوم أهل الأثر ص60.