يشده شدًا ثم يضربه بالعصا، و يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع. وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في الرمضاء في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول -وهو في ذلك- أحد ،أحد، ويقول: لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. ومر به أبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به فاشتراه بغلام أسود، وقيل: بسبع أواق أو بخمس من الفضة، وأعتقه1.
وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون -وعلى رأسهم أبو جهل- يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها. ومر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فقال: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة"، فمات ياسر في العذاب، وطعن أبو جهل سمية -أم عمار- في قبلها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وهي سمية بنت خياط مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت عجوزًا كبيرة ضعيفة. وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة، وبوضع الصخر الأحمر على صدره أخرى، وبغطه في الماء حتى كان يفقد وعيه. وقالوا له: لا نتركك حتى تسب محمدًا، أو تقول في اللات والعزى خيرًا، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء باكيًا معتذرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} الآية [النحل: 106]2.
وكان أبو فكيهة -واسمه أفلح- مولى لبني عبد الدار، فكانوا يشدون برجله الحبل، ثم يجرونه على الأرض3.
وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سِباع الخزاعية، وكان حدادًا، فلما أسلم عذبته مولاته بالنار، كانت تأتى بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره أو رأسه، ليكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يزيده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، وكان المشركون أيضًا يعذبونه فيلوون عنقه تلوية عنيفة وأضجعوه مرات عديدة على فهام ملتهبة، ثم وضعوا عليه حجرا؛ حتى لا يستطيع أن يقوم4.
وكانت زِنِّيرَةُ والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن، وكان المشركون يسومونهن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رحمة للعالمين 1/ 57، تلقيح الفهوم ص61، ابن هشام 1/ 317، 318.
2 ابن هشام 1/ 319، 320، فقه السيرة لمحمد الغزالي ص82 وروى بعض ذلك العوفي عن ابن عباس، انظر مختصر السيرة للشيخ عبد الله ص92.
3 رحمة للعالمين 1/ 57، من إعجاز التنزيل ص53.
4 نفس المصدر 1/ 57، تلقيح فهوم أهل الأثر ص60.