من العذاب أمثال ما ذكرنا. وأسلمت جارية لبني مؤمل -وهم حي من بني عدي- فكان عمر بن الخطاب -وهو يؤمئذ مشرك- يضربها، حتى إذا مل قال: إن لم أترك إلا ملالة1.
وابتاع أبو بكر هذه الجواري فأعتقهن، كما أعتق بلالا وعامر بن فهيرة2.
وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضا آخر درعا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة3.
وقائمة المعذبين في الله طويلة ومؤلمة جدا، فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه.
دار الأرقم:
ومما لم يكن يشك فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اجتمع بالمسلمين علنا لحاول المشركون بكل ما عندهم من القسوة والغلظة أن يحولوا بينه وبين ما يريد من تزكية نفوسهم ومن تعليمهم الكتاب والحكمة، وربما أفضى ذلك إلى مصادمة الفريقين، بل قد وقع ذلك فعلًا. فقد ذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرًا، فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا فسال دمه، وكان أول دم هريق في الإسلام4.
ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة السريةُ والاختفاء، فكان عامة الصحابة يُخْفُون إسلامهم وعبادتهم واجتماعهم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين، لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرًا؛ نظرًا لصالحهم وصالح الإسلام، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا. وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم، فكان أن اتخذها مركزا لدعوته، ولاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة5.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رحمة للعالمين 1/ 57، ابن هشام 1/ 319.
2 ابن هشام 1/ 318، 319.
3 رحمة للعالمين 1/ 58.
4 ابن هشام 1/ 263، مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب ص60.
5 نفس المصدر الأخير ص61.